لقائل أن يقول: لِمَ أُسري به عليه الصَّلاة والسَّلام مِن بيت المقدس ولم يُسْرَ به مِن مكة التي هي أشرف البقع بمقتضى الأحاديث؟
والجواب عنه: أنَّه إن قلنا: إنَّ ذلك مِن الله تعالى لحكمة استأثر بها فيجب الإيمان به كما ورد الخبر به مِن
غير تعليل، وإن قلنا: إنَّ الحكمة في ذلك معقولة فحينئذ نحتاج إلى إبدائها فنقول: والله أعلم هي كما ذكرناه آنفًا، وهو أن يكون ذلك دالًا على صدق النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، لأنَّه لو عُرِجَ به عليه الصلاة والسلام مِن مكة لكان الكفار ينكرون ما يدَّعيه، ولا يَجِد بما يَستدِل عليهم ويَلحق بسبب ذلك لمن ضَعُف إيمانُه الشكُّ، فلمَّا أن أُسرِي به عليه الصَّلاة والسَّلام لذلك الموضع وسأله الأعداء المنكرون عن جزئيات فيه كانوا يعلمونها، وهو عليه الصَّلاة والسَّلام لم يدخله قطُّ حتَّى يعلم الجزئيات التي فيه، ثمَّ أخبرهم عليه الصَّلاة والسَّلام في الحال بكل ما سألوا عنه، فكان ذلك أكبرَ آية على تصديقه عليه الصَّلاة والسَّلام فيما ادَّعاه بخلاف أن لو كان الإسراء به عليه الصَّلاة والسَّلام مِن موضعه الذي كان فيه، لأنَّ البشر ليس لهم معرفة بالعالم العلوي حتَّى يعلموا ما فيه فيسألوا عنه.
ولوجه ثانٍ أيضًا وهو أنَّ بيت المقدس هو القِبلة الأَوَّلى، وهو مِن أحد المواضع الذي تصل المطي إليه فجُمِع له الإسراءُ مِن القبلتين واجتمعت له فيه الفضيلتان.