(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ ... ) الحديث.
وفيه دليلٌ على أنَّ ما هو من ضرورةِ البشريَّةِ ليسَ هو منافٍ للعبادةِ إذا فُعِلَ على مشروعيَّتِهِ، يُؤخَذُ ذلكَ مِن أنَّ سيدنا صلى الله عليه وسلم بالإجماعِ أعبَدُ الناسِ، وترى ما طُبِعَتْ عليهِ البشريةُ مِن الجِماعِ وغيرِه، ولم يُخلَّ بعبادته شيئًا لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكنْ يأتيها إلا على مشروعيَّتِها، وهذا هو غايةُ الكمالِ في البشريَّةِ؛ لأنَّه يَرجِعُ ما طُبِعَ عليه تابعًا لما أُمِرَ به، وقد قالَ مولانا جلَّ جلالُه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد:38] ، فمفهومُ هذا وهو ذِكرُ الزَّوجةِ والذريَّةِ، لأنَّهما أعظمُ ما يُفتَنُ بهما الناسُ، والنِّكاحُ أكبرُ الشَّهواتِ، فدلَّ أن جميعهم صلوات الله عليهم على طبعِ البشريةِ من كلِّ الجهاتِ إلا أنَّهم لم يمنعْهم ذلكَ من توفيةِ أعلى الأحوالِ وهي توفيةُ حقِّ النبوةِ والرسالةِ، وبهذا أسقطَ العُذرَ لغيرهم بأنْ لا يمنعهم شيءٌ مما طُبِعتْ عليه البشريةُ من توفيةِ ما كلَّفتهُم الربوبيَّة، فقامتِ الحجَّةُ للهِ عزَّ وجلَّ على عباده: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [الأنعام:149] .
وفيه دليلٌ على أنَّ التعمُّقَ في العبادةِ والوَسْوَاسَ إمَّا بدعةٌ أو بَلوى، يُؤخَذُ ذلكَ مِن أنَّ سيدَنا صلى الله عليه وسلم لم يُطِل المُكثَ في طهورِه، يُؤخَذُ ذلكَ مِن قوةِ كلامِ الصحابيِّ الذي قالَ: إنَّه عليهِ السلام تركَهم قيامًا ورَجِعَ فاغتسلَ وخرجَ فصلَّى بهم، فدلَّ أنهم بقوا قيامًا ينتظرونهُ، ولو كانَ لُبْثُه في طهورِه يَطُولُ لأَمَرَهمْ بالقعودِ، وحينئذٍ ينتظروه لِما يُعلَمُ مِن رِفقِه عليهِ السلامُ بأمَّتِه والتيسيرِ عليهم في جميعِ الأمورِ ممَّا هو قد رَجعَ علمَ ضرورةٍ لا يُحتاج فيه إلى دليلٍ.
وفعلُه عليهِ السلامُ ذلكَ فيه وجهٌ مِن الفقهِ؛ لأنْ يُعلِّمَهم بفعلِه أنَّ الإسراعَ في الطهورِ والإبطاءَ في الصلاةِ هي السنَّة؛ لأن التعليمَ بالفعلِ لا سيما معَ المشرِّعِ عليه السلام أبلغُ مِن القولِ، وكذلكَ كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقصِّرُ الخُطبةَ ويُطيلُ الصلاةَ، واليومَ الأمرُ مِن الأكثرِ ممَّن يدَّعي العلمَ بالضدِّ مما ذكرنَا، فأنَّى لنا الاقتداءُ بمَن خالفَ سنَّة رسولِه صلى الله عليه وسلم، أعاذَنا اللهُ مِن ذلكَ بمنِّه.