وأمَّا هلْ هوَ خاصٌّ بالرجالِ دونَ النساءِ؟ فالجواب أنه عامٌّ بدليلِ أنَّ النساءَ شقائقُ الرجالِ في جميعِ التكليفاتِ، وجرى الإخبارُ عنهم دونَ النساءِ من طريقِ الأفضليَّةِ وأنَّهم تلاقوا الخطابَ كَقَولِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ} [المؤمنون: 51] والمقصودُ: هم وأتباعُهم.
وهنا بحثٌ وهو أنَّ مَن فعلَه ولم يدُمْ عليهِ لا يلحقُه ذلكَ الوعيدُ، بدليلِ قولِه: (ما) وهي نافيةٌ، كأنَّهُ يقولُ: لا يزالُ يسألُ الناسَ، فجعلَ ذلكَ على دوامِه على ذلكَ الأمرِ.
وفيهِ دليلٌ على أنَّ جميعَ الناسِ محتاجوَن إلى العلمِ، يُؤخَذُ ذلكَ مِن أنَّه إذا كانَ أقلُّ الناسِ وهم السُّؤَّالُ الذين ليسَ لهم شيءٌ من الدنيا يحاسبون على سؤالِهم هل هوَ على ما أُمروا به أو تعدَّوْا فما بالكَ بالغيِر.
وفيهِ دليل على أنَّ الجهلَ لا يُعْذَرُ أحدٌ بهِ، فإنه إذا لم يُعذَرِ السائلونَ مع شدةِ مَسكنتِهم بالجهلِ فيما يلزمُهم في سؤالِهم، فكيف بغيرِهم؟.
وفيهِ دليلٌ على أنَّ العلمَ أفضلُ الأشياءِ، إذْ بهِ يتخلَّصُّ الرفيعُ والحقيرُ إذا عَمِلَ بهِ.
وفيهِ دليلٌ على جوازِ سؤالِ غيرِ المؤمنِ، يُؤخَذُ ذلكَ مِنْ قَولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (يَسْأَلُ النَّاسَ) و (الناسَ) لفظٌ عامٌ يدخلُ تحتَه المؤمنُ وغيرُه، ومن أجلِ ذلكَ كانَ بعضُ السادةِ لا يخرجُ من منزلِه إلا عندَ الضرورةِ، فلا يأتي إلا إلى بابِ ذميٍّ، فقيلَ لهُ في ذلكَ، فقَالَ: إنِّي لا أخرجُ إلا محتاجًا، فإذا أتيتُ بابَ المسلمِ فأخافُ أن يردَّني ويعودَ عليهِ منِّي بلاءٌ؛ لأنَّهُ مأمورٌ بإحياءِ نفسِي فلا أريدُ أنْ يلحقَ منِّي مسلمًا أذًى، والذميُّ ليس هو بي مكلفًا فإن وَاسَى رَجَوْتُ لهُ الخيرَ، وإنْ ردَّ لم يخفْ أنْ يلحقَه منِّي أذًى.