فكيف يقول تعالى هذا ويستغفر أحد إذ ذاك أو يتوب أو يدعو فيُرَدُّ؟ ذلك محال مِن طريق قوَّة الرَّجاء في فضله سبحانه ومَنِّه.
وقد نشير إلى شيء مِن مآثر مَن مضى في هذا أيضًا لنبيِّن به المقصود الذي أردنا بيانه.
فمِن ذلك ما روي أنَّ بعض الثوَّار نزل بحِصن فضيَّق على أهلِه حتَّى همُّوا بإعطائه، ثمَّ قال: بعضهم لا تعطوه حتَّى تستشيروا فلانًا على ما أردتم فعله، وكان فلان عندهم رجلًا صالحًا متمسِّكًا بالسَّداد والخير فاستشاروه، فقال لهم: لا يَحِلُّ لكم أن تملِّكوا رقابكم لمن يخالف لسان العلم ويسفك الدِّماء بغير حقِّها، فبلغ ذلك الثائر فأرسل إليه يهدِّده ويقول له: أما تعرف بطشي وصِغَر سنِّي؟ فأرسل الشَّيخ إليه الجواب وهو يقول له: أما تعرف كِبَر سنِّي وقيامي له بالليل ودعائي له بالأسحار؟ فلمَّا أن وقف الثَّائر على الجواب لحقه الرُّعب وأقلع مِن حينه.
وممَّا يزيد هذه الأوقات شرفًا وترفيعًا وترغيبًا في المحافظة عليها قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} [الكهف: 28] . فمَن رغب في هذه الأوقات وحافظ عليها أُعِين على ما أخذ بسبيلِه ثمَّ زاده على ذلك بشارة، وأيُّ بشارة ترتاح لها نفوس العاملين الصَّادقين وهي ما أخبر تعالى في كتابه حيث قال: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمَّد: 17] .
يا لها مِن بشارة ارتاحت لها نفوس الموقنين، وسكن بها حزن الخائفين، وتسابقت لها أقدام السَّابقين منحنا الله تعالى منها مِن فضله ما يليق بفضله، ثمَّ نرجع الآن إلى البحث المتقدِّم.