فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 415

وعِلْمُ الخَضِر عليه السَّلام هو اللَّدُنِّي الذي هو الإلهام بغير واسطة.

والحقُّ في هذا الموضع أن يُقَال: العلم اللَّدُنِّي حقٌّ لا شكَّ فيه بدليل ما تقدَّم، لكنَّ الدَّليلَ على تصديق مَن ادَّعى وجودَه أن يكون علمُه على الكتاب والسنَّة خالصًا مِن الشَّوائب صادقًا في توجُّهه عارفًا بالخواطر صالِحِها وفاسِدِها معرفة كليَّة، لأنَّ علم الخواطر علم قائم بذاتِه، ونحن نذكر الآن منه شيئًا نشير به لبعض ما يحتاج الموضع إليه فنقول: قد اختلفت المتصوِّفة اختلافًا كثيرًا في هذه الخواطر، وأحسن ما قيل فيها وألخِّصُه: أنَّ الخواطر على أربعة أقسام: نفسانيٌّ، وشيطانيٌّ، ومَلَكيٌّ، وربَّانيٌّ.

فالرَّبانيُّ أوَّلها: هو مثل لمحة البرق ولا يثبت، ثمَّ يليه النَّفسانيُّ مثل الْمُصلي مع السَّابق رأس المصلِّي في عنق السَّابق على ما يُعرف في سَبْق الخيل، ولا يفرَّق بين النَّفسانيِّ والرَّبانيِّ إلَّا مَن كانت فيه الصِّفات المتقدِّم ذكرها ورُزِقَ التَّوفيق، فإذا حصل له التَّفرقة بينهما لم يجد في الرَّبانيِّ قطُّ شيئًا مخالفًا لكتاب الله تعالى ولا لسنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، لأنَّ كلَّ ما هو مِن عند الله تعالى سواء كان بواسطة أو بغير واسطة فلا خلاف بينهما، لأنَّ الكلَّ حقٌّ، قال الله عزَّ وجلَّ في كتابه: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النِّساء: 82] ، فنصَّ تعالى على أنَّ كلَّ ما يأتي مِن قِبَله ليس فيه مخالف والكلُّ حقٌّ

ولهذا المعنى كان بعض فضلاء أهل هذا الشأن إذا خطر له الخاطر يقول: لا أصدِّقُكَ حتى تأتيني بدليلَين دليل مِن الكتاب ودليل مِن السنَّة، لِعلمه بأنَّ الرَّبانيَّ لا يخالف الكتاب ولا السنَّة فيجتمع له العمل بالعِلْمَين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت