معًا اللَّدُنِّي والشَّرعي، وقد كان بعضهم إذا احتاج إلى معرفة أجزاء أوقات الَّليل يرفع بصره وهو في فراشِه، وبيتُه مغلَق عليه، فيرى الكواكب في مواضعها التي هي فيها في ذلك الوقت فيعرف في أيِّ وقت هو مِن الَّليل فلا يُقنِعه ذلك ولا يعمل عليه ويقول: ليس هذا العلمَ المنقول، فيقوم فيفتحُ الباب ويخرج فينظر إلى النُّجوم بعين بصره فيراها في مواضعها التي رآها فيه وهو في فراشِه ويتكرَّر ذلك منه مرارًا، ولم ينتقل عن عادتِه.
هذا هو حالهم لا ينفردون أبدًا للعمل باللدُنيِّ حتَّى يوافقه المنقول فيعملون بهما معًا، اللهمَّ إلَّا عند ضرورة لا يمكنهم العمل بالواقع من جهة المنقول فيبيِّن لهم العلم في ذلك - أعني العلم اللَّدنِّي - فيعملون به لانحتام الوقت عليهم ثمَّ ينظرون في العلم المنقول بعد ذلك فيجدونه موافقًا لِمَا هدوا إليه.
ومثل ذلك ما حكي عن الثَّوريُّ رحمه الله تعالى حين جمع الخليفة ببغداد أهلَ هذا الشأن لَمَّا وُشِي إليه فيهم وقيل له: إنَّهم على غير استقامة، فأمر الخليفة بقتلهم، فلمَّا جاء السيَّاف إليهم يطلبهم للقتل بادر إليه الثَّوريُّ رحمَه الله تعالى فتعجَّب السيَّاف من ذلك وقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: أُوْثِر أصحابي بحياة ساعة، فتركهم ورجع إلى الخليفة وأخبره الخبر فتعجَّب الخليفة ومن حضره، فسألَ القاضي الخليفةَ أن يتركَهم حتى يذهبَ إليهم فيبحثَ معهم في أمرهم حتَّى يتبيَّن له طريقهم، فأذن له الخليفة في ذلك، فأتى القاضي إليهم فطلب منهم شخصًا ليبحث معه فقام إليه الثَّوريُّ رحمه الله فسأله القاضي عن مسائل فقهية فنظر عن يمينه وقال: