فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 415

نعم، ثمَّ نظر عن يساره وقال: نعم، ثمَّ أطرق مليَّا ساعة، ثمَّ رفع رأسَه وأجاب القاضي بجواب مقنع في تلك المسائل فتعجَّب القاضي مِن أمره، فسأله عن ذلك فقال: لَمَّا أن سألتني عن تلك المسائل لم يكن لي بها علم، فسألتُ ملَكَ اليمين عنها فقال: لا علم لي، فسألت مَلَكَ الشِّمال فقال: لا علم لي، فسألت ربَّ العزَّة، فأخبرني في قلبي بما قلتُ لك، فرجع القاضي إلى الخليفة، وقال له: إن كان هؤلاء زنادقة فليس على وجه الأرض مُسْلِمٌ.

فما كان مثل هذا وما أشبهه هو الذي ينفردون فيه بالعلم اللَّدُني للضَّرورة ولانحِتام الوقت ثمَّ يجدونه بعد ذلك على وفق المنقول لا زيادة ولا نقصان، فمَن لا يعرف هذا الشَّأن تسبق إليه الخواطر النَّفسانيَّة والشَّيطانيَّة والملَكَيَّة، فيعمل على كل خاطر يخطرُ له فيها، ولا يفرِّق فيها بين الصَّالح والفاسد فيكون في عَمًى وضلال وكلُّ مَن اتَّبعه كذلك فيصدق عليه قوله تعالى: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104] .

ولأجل هذه الخواطر وما فيها مِن الاختلاف أخذ الفضلاء العارفون بها العهدَ على المبتدئين للسلوك أن لا يُخْفُوا عنهم كل خاطر يَرِدُ عليهم كائنًا ما كان ليثبتوا لهم تلك الخواطر الصَّالحة والفاسدة وما فيها بعد المشاهدة والعِيان، فنقلَ الجُهَّال مِن المدَّعين للطريق هذه الصِّيغةَ إلى صيغة البيعة وجعلوها مِن ضرورة الطَّريق لجهلهم باللفظ والمعنى.

يشهد لِمَا أشرنا إليه عنهم: ما حُكِيَ عن بعض الفضلاء منهم - أعني: الفضلاء المتحقِّقين - أنَّه أتاه شخصٌ يريد السُّلوك فأدخله الخلوةَ وتركه أيَّامًا، ثمَّ دخل عليه وقال له: كيف ترى صورتي عندك؟ فقال: صورة خنزير، فقال الشيخ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت