فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 415

صدقت، ثمَّ تركَه في خلوتِه أيَّامًا، ثمَّ دخل عليه وقال له: كيف ترى صورتي عندك؟ وسأله مثل الأولى، فقال له: صورة كلب، ثمَّ كذلك، ثمَّ كذلك، ثمَّ كذلك، إلى أن قال: أراك صورة قمر ليلة كماله، فقال له: صدقت الآن كَمُلَ حالك وحينئذٍ أخرجَه مِن الخلوة.

ولا ذاك إلَّا أنَّ النَّفس إذا كانت في رعونتها وشهواتها مثلُ المِرآة الصَّدِئَة، فإذا أخذ صاحبُها في المجاهدة فهي صقَالة لها كصِقالة الصقال للمرآة فقبل أن تتمَّ صِقالتها إذا قابلَتْها الأشياء وقع المثال فيها مفسودًا لبقاء بعض الصَّدَاء فيها، فإذا تَمَّت سِقالَتُها وارتفع عنها ذلك الصَّدأُ كلُّه ظهر فيها مثال الأشياء مِن غير زيادة ولا نقصان، ورجعت تميز كلَّ خاطر بحدَّتِهِ لِصَفائها.

ومنهم قوم يأتون بلفظ شنيع، فيقولون: (أنا هو وهو أنا) ، ويدَّعون ذلك حالًا ويجعلونَه مِن الأحوال الرَّفيعة العظيمة، وقائل هذا منهم يدور بين ثلاثة أقسام:

إمَّا أن يكون قد غُطِّيَ على عقلِه فقال هذا وهو لا يعقل ما قال، فقد ارتفع الخطاب عن هذا فلا يُلتفت لكلامِه ولا يُؤبَهُ به، ولا يُحتسب مقامًا، وهو ضرب مِن الجنون.

وإمَّا أن يكون جاهلًا يحكي عن غيره وليس له بذلك حال فهذا ينبغي تأديبه؛ لأنَّ ذلك مستحيل عقلًا وشرعًا، وهو أن يرجع الخالق مخلوقًا والمخلوق خالقًا.

وإمَّا أن يكون له مذهب فاسد، فلمَّا أن تعلق بطريق القوم صرَّح به وجعله حالًا.

وهذا الأخير لا يخلو مِن أن يدَّعيَ ذلك (بالمعنى) أو يدَّعيه (بالحلول) ، والمعنى هو: أن يدَّعي أنَّه ليس له تصرُّف والتَّصرف لغيره، فإن ادَّعى هذا فهو جَبْرِيٌّ وقد تقدَّم الكلام معه، وإن كان ادِّعاؤه بالحلول فهو مُجَسِّمٌ وقد تقدَّم الكلام معه في ذلك أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت