وهنا بحثٌ: في قولِها: (وَكَانَ يُحِبُّ) لِمَ عبَّرتْ بهذَا؟ ومَا الحِكمةُ في حُبِّهِ؟ فالجوابُ عن كونِها عبَّرت بذلكَ؛ لأنها تشعرُ أنَّ ذلكَ ليسَ مِمَّا أَمَرَ به مِن أجلِ أنْ لا يَعتَقِدَ أحدٌ أنَّها مِمَّا فُرِضَ، واحتملَ أن يكونَ مما سَنَّ، فأزالتْ بقولِها (يحبُّ) كلَّ الاحتمالاتِ.
وأمَّا ما الحكمةُ في كونِه صلَّى الله عليه وسلَّم يُحبُّهُ؟ فإنَّما كانَ ذلكَ إيثارًا لِمَا آثرَهُ الحكيمُ بحكمتِهِ، والله أعلم، وذلكَ لمَّا رأى عليهِ السلامُ ما فضَّل اللهُ تعالى اليمينَ وأهلَه وما أَثْنَى عليهم فأَحَبَّ هو عليهِ السلامُ ما آثرَهُ العليمُ الحكيمُ، فيكونُ مِن بابِ التَّناهِي في تعظيمِ الشعائرِ حتى يجدَ ذلك وَلُوعًا في فؤادِهِ المباركِ، فيكونُ ذلكَ دالًّا على قوةِ الإيمانِ، فمَن وجدَ حُبًّا لذلكَ كما وجدَهُ صلَّى الله عليه وسلَّم فَلْيشكرِ اللهَ على ما منحَهُ مِن ذلكَ، وإنْ لم يجدْ فيتَّبِعُ ويَستعمِلُ أسبابَه ويتشَبَّهُ بالمُحبِّينَ، ولذلكَ قالَ بعضُ الحُكماءِ: فإن التشَبُّهَ بالكرامِ فَلَاحُ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنه أنَّه رأى شخصًا قرأَ سجدةَ {كهيعص} وسجدَ، فقالَ لهُ: هذا السُّجودُ فأينَ البُكاءُ؟ إذا لم تَبْكوا فتَبَاكُوا.
ويترتَّب على ذلكَ مِن الفقهِ أنَّ التشبُّهَ بأهلِ الخيرِ من الخيرِ إذا كانَ حُبًا فيهم مِن أجلِ الله عزَّ وجلَّ، وأنَّ التَشَبُّهَ بأهلِ الشرِّ مِنَ الشرِّ، يَعضُدُ ذلكَ ما نَهَى صلَّى الله عليه وسلَّم عنهُ مِنَ التشَبُّهِ بأهلِ الكتابِ، وقد وَرَدَ عنهُ عليه السلامُ: (( مَنْ تَشَبَّهَ بقومٍ فَهُوَ مِنْهُم ) ). مَنَّ اللهُ علينا بأَحوالِهم حالًا ومقالًا.