فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 415

الوجه الثَّاني: لقائل أن يقول: لِمَ قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي) ولم يقل: في سِنان رمحي، ولا في غيره من السِّلاح؟ والجواب عنه مِن وجوه:

(الأَوَّل) : إنَّ السِّنَان إنَّما جُعِل لقتل الأعداء، الذين هم أرباب الأموال، فإذا قُتلوا بسنان الرِّماح بقيت أموالهم تحت ظلال رماح المسلمين وهي الغنائم، وقد أُحلَّت بخلاف النَّبل والسَّيف، فإنَّه عند ضرب العدوِّ، لم يَبْقَ لأحدهما ظلٌّ حتَّى تكون الغنيمة تحته.

(الثَّاني) : أنَّ رايات العرب كانت في أطراف الرِّماح، ولا تكون إقامة الرِّماح بالرَّايات إلَّا مع النَّصر والظُّهور، وقد نصره الله عزَّ وجلَّ بالرُّعب أمامه شهرًا، فأحلَّ له ما أوجَف عليه بالخيل، وما أتاه مُذْعِنًا بالرُّعب، لأنَّه مِن خوف الرُّمح أتوا فهم تحت ظلِّه.

الثَّالث: أنَّ السِّنان جعله عليه الصَّلاة والسَّلام للجهاد، وهو أكبر الطَّاعات فَجُعِلَ له الرِّزق في ظلِّه أي: في ضمنه، وإن كان لم يقصده، فالطَّاعة وامتثال الأمر هي الجالبة للرِّزق، يؤيِّد هذا التَّوجيه الكتاب والسُّنَّة. أمَّا الكتاب فقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132] .

وأمَّا السُّنَّة فقَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام: (( لا يُنَالُ مَا عِنْدَ اللهِ إِلَّا بِطَاعَةِ اللهِ ) )، وقَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام: (( تَكَفَّلَ اللهُ بِرِزْقِ طَالِبِ العِلْمِ ) )، وهو عزَّ وجلَّ قد تكفَّل بأرزاق الكلِّ، لكن لمَّا أن اشتغل هذا بطلب العلم عن التَّكسُّب، أتاه رزقه مِن غير تعب ولا تسبُّب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت