وكلُّ هذا يدلُّ على أنَّ مَن طلب الرِّزق بغير طاعة فقد طلب الشَّيء مِن غير بابه، ومَن طلب الشَّيء مِن غير بابه تعب في طلبه ورجع بصفقة خاسرة، وقد نشير إلى شيء مِن مآثر مَن مضى حيث كانوا يطلبون الرِّزق بطاعة ربِّهم لِيُتَنبَّه بذلك لِمَا أردنا بيانه.
فمِن ذلك ما روي عن بعضهم أنَّه كان ذا عيال وضاق عليه الوقت ولم يقدر على شيء فوقع في باله الأخذ بالطَّاعة التي هي سبب الرِّزق فخرج إلى مسجد خَرِب فَنَظَّفَهُ وبقي يتعبَّد فيه، فيخرج غدوة ويخبر أهله أنَّه يتسبَّب ثمَّ يجيء عشيَّة فيقولون له: أين الأجرة؟ فيقول: الذي خدمت عنده كريم واستحييت أن أطالبه حتَّى يكون هو الذي يعطيني، فبقي كذلك أيامًا يسيرة، ثمَّ أتى ليلة على العادة إلى منزلِه فلمَّا كان بقربه شمَّ روائح طعام عَطِرة فتعجَّب مِن ذلك لأنَّه يعلم أنَّ جيرانه في الضَّعف بحيث لا يقدرون على ذلك، فلمَّا أتى منزلَه فإذا بما شَمَّ مِن ذلك في منزلِه فتعجَّب مِن ذلك أكثر مِن تعجُّبه أولًا، ثمَّ نظر فإذا في بيته طعام وإدام وقماش ودراهم، ووجد أهله بكسوة حسنة، فسألهم مِن أين لكم هذا؟ فقالوا: إنَّ الكريم الذي أنت تخدم عنده بعث لك بما ترى وهو يقول لك: لا تقطع الخدمة، فقال: أجل.
فانظر مِن طلب الشَّيء مِن بابِه كيف نجح سعيه وظفر بمراده.