فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 415

للعوامِّ، لأنَّه مقتضى الحكمة، وعادة الله تعالى أبدًا إنَّما يخاطبهم بما تقتضيه الحكمة، والقرآن بذلك ملآن فمِن ذلك قوله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] . إلى غير ذلك مِن قوله تعالى: {بِمَا عَمِلْتُمْ} [التغابن:7] . {بِمَا كُنتُمْ تَصْنَعُونَ} ، {بما كَسَبْتُمْ} ، {بِمَا أَسْلَفْتُمْ} ، {بِمَا تَفْعَلُونَ} ، إلى غير ذلك وهو كثير. والخطاب بالحديث الآخر لأهل الخصوص وهم المنهمكون في التَّوحيد المتحقِّقون بالقدرة، فلو قيل لمن لم يتحقَّق بالقدرة هذا الحديث لأدَّى بهم الأمر إلى ترك مقتضى الحكمة، وتركُ العملِ بمقتضى الحكمة كفرٌ بإجماعٍ وإن اعتمد على القدرة، والعمل بمقتضى الحكمة وإن جهلت القدرة إيمان محض، ويدخل بذلك في ضمن قولِه تعالى: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2] . والنِّهاية هي الجَمع بين مقتضى الحكمة وتصحيح العمل وإجلال القدرة بتفويض الأمر لها، أن يقال إنَّ الأعمال هي سبب دخول الجَّنة، ثمَّ إنَّ التَّوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها وقبولها برحمة الله تعالى وفضلِه، فصحَّ أنَّه لم يدخل الجَنة بمجرد العمل، ويَصِحُّ أنَّه دخل بالأعمال أي: بسببها وهي مِن الرَّحمة، فدخول الجَنة برحمة الله تعالى والدَّرجات بحسب الأعمال.

وقد قال بعض الفضلاء: اعْمَلْ عَمَلَ مَنْ لا يَرى خَلاصًا إلَّا بالعمل، وتَوَّكَلْ تَوَكُّلَ مَن لا يرى خلاصًا إلَّا بالتَّوكُّل، تحضيضًا منه على قدم النِّهاية وتنبيهًا لها، ولأجل العمل على هذه الصِّفة أثنى تعالى في كتابِه على يعقوب عليه السَّلام حيث قال: {وَإنَّه لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: 68] . لأنَّه جمع بين الحقيقة والشَّريعة، وسأذكر ذلك وأُبَيِّنُه في موضعه من داخل الكتاب إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت