الرابع: أن اللام أدخلت في آية المطعوم للدلالة على أنه يقدم على أمر المشروب وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب. وهذا الوجه هو الذي يراه أبو حيان.
وقال الزركشي في موضع آخر من كتابه البرهان أن قوله لو نشاء جعلناه أجاجا بغير اللام يفيد التعجيل أي جعلناه أجاجا لوقته.
وذكر ابن أثير في المثل السائر: إن اللام أدخلت في المطعوم دون المشروب لأن جعل الماء العذب ملحا أسهل إمكانا في العرف والعادة والموجود من الماء أكثر من الماء العذب وكثيرا ما إذا أجريت المياه العذبة على الأرض المتغيرة التربة أحالتها إلى الملوحة فلم يحتج في جعل الماء العذب ملحا إلى زيادة تأكيد فلذا لم تدخل لام التأكيد المفيدة لزيادة التحقيق وأما المطعوم فإن جعله حطاما من الأشياء الخارجة عن المعتاد وإذا وقع يكون عن سخط شديد فلذا قرئ باللام لتقريره وتحقيق أمره.
وقال الدكتور فاضل صالح السامرائي أن في هذا سراً لطيفاً وهو أنه ذكر عمل الإنسان في الحراثة والزرع وبذل الجهد فيها .. ومراقبته حتى إذا استوى زرعه على سوقه وقت الاستفادة منه أصبح حطاما كان ذلك أشق شيء عليه لأنه يرى عمله وكده وإنفاقه ذهب هباء وضاع سدى إلا ترى إلى قوله تعالى فيما بعد: (فظلتم تفكهون أنا لمغرمون) ... هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن الماء الأجاج يمكن تحويله إلى ماء عذب بالتقطير أو بغير ذلك من وسائل التحلية فيكون صالحا للاستعمال والشرب كما ترى الآن في كثير من الأماكن، أما الحطام من الزرع فلا يمكن تحويله إلى حب أو فاكهة يأكل منها الإنسان والخسارة فيه أكبر. فأنظر الفرق بين الحالتين.
ومن هذه الأقوال نجد أن منهم من جعل سبب حذف اللام في آية جعل الماء أجاجا هو السهولة واليسر في تحويله قياساً مع آية تحويل الزرع إلى حطام وهذه السهولة أيضاً في جعل الماء أجاجا قد أشار إليها العلم الحديث من غير خرق لأي سنة من سنن الله الكونية، فهو نفس الطريق الكهربائي الذي يتكون به المطر يمكن تحويله إلى حامض لا يسيغ الناس شربه لذا لا يحتاج في التفسير العلمي الحديث إلى ذكر اللام كما فسر السابقون.
كما أن قوله تعالى (أجاجاً) لا يحمل معنى الماء الملح الشديد الملوحة فقط فهو يحمل معاني أخرى ذكرها المعجميون كما ذكرنا سابقاً أنهم قالوا بمعنى الملح الشديد الملوحة وقيل هو المر الشديد المرارة لا يمكن شربه وقيل من الأجيج وهو تلهب النار وذكر الآلوسي أنه قيل: الأجاج كل ما يلذع