وقد ذكر حنفي أحمد أن القراءة الأولى والثانية تتفقان مع ما تدركه العين المجردة، وأما الثالثة فمن الأنباء الغيبية التي تثبت إعجاز القرآن، حيث دلت على وجود أقمار متعددة في السماء، ثم بين البحث العلمي الدقيق صدقه بعد ذلك بقرون عدة وكما تدل قراءة مَن قرأ (سُرُج) بالجمع على شموس أخرى في الكون وهي النجوم. ولا بد من القول أن التفسير العلمي الحديث جعلنا نتأكد من أن بعض المجاز في القرآن حقيقة، وذلك في مواءمة المفردة لكل عصر، فالدلالة تستمر وتتسع لمفاهيم كل عصر، ويتلقَّف هذه المفردة كل حسب فهمه وقدراته العقلية ونوع ثقافته، وذلك من غير إقحام أو تقوُّل، لأن مُرونة الكلمة القرآنية ليست عَشْوائية. فالاختزان يكون في إفهام هذا وذاك من البشر، وهذا مما يجعل في العقل مُرونة، ويفتح باب التفكير. فالكلمتان (سراجا، مُنيراً) تحملان في طياتهما كل المعاني المتغيرة مع تغير الزمن وتقدم العلوم وتَبدل أفهام الناس، وقد قال البوطي: (فالعامي من العرب يفهم منهما أن كُلاَّ من الشمس والقمر يَبعْثَان بالضياء إلى الأرض، وإنما غاير في التعبير عنه بالنسبة لكل منهما تنويعاً للفظ، وهو معنى صحيح تدل عليه الآية، والمتأمل من علماء العربية يدرك ما وراء ذلك أن الآية تدل على أن الشمس تجمع إلى النور الحرارة، فلذلك سَماها(سراجاً) ، والقمر يبعث بضياء لا حرارة فيه، وهو أيضاً معنى صحيح تدل عليه الآية دلالة لغوية واضحة، أما الباحث المتخصص في شؤون الفلك، فيفهم من الآية إثبات أن القمر جرمٌ مظلم، وإنما يضيء بما ينعكس عليه من ضياء الشمس التي شبهها بالسراج.
ومن تشبيهه الواضح بالسراج استنبطنا أنه تعالى خلق الشمس لهباً متقداً مضيئاً أي كتلة غازية متقدة ومضيئة (أن اللهب المضيء عبارة عن مواد في حالة غازية وفي درجة حرارة عالية بحيث ينبعث الضياء.
أما الفرق بين الضياء والنور: ففي قوله تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً) .
عرفنا معنى النور لغة أما الضياء لغة:
قال الخليل: الضياء ما أضاء لك، يقال أضاءَ البَرْقُ لنا والسراجُ.
وجاء في اللسان: الضَّوء والضُوء، بالضم: الضياء، وجمعه أَضواءٌ، وقال الزجاج وقد يكون الضياء جمعاً. وذكر الراغب أن الضوء ما انتشر من الأجسام النيرة ويقال ضاءت النار وأضاءت غَيرها