أما قوله تعالى: (فظلوا فيه يعرجون) فقد ذكرنا أن الفعل ظل للنهار (وأمسى لليل) أي ظلوا في الصعود المنحنى (العروج) نهاراً أي أن الله لو فتح لهم بابا من السماء وعرجوا فيه نهاراً فإنهم سوف يواجهون ظلاما دامساً رغم وجود الشمس في كبد السماء ورغم وجود تلك الشواهد الكونية، ويحسون حركة الصعود ويرون دلائلها ثم هم بعد ذلك يكابرون ويقولون (إنما سكرت أبصارنا) وأتوا بصيغة الحصر للدلالة على أنهم قد بتوا القول في ذلك وكأنهم قالوا وليس ذلك إلا تسكيراً للأبصار واختلف القراء في قراءة قوله سُكَرت فقرأ أهل المدينة والعراق سُكّرت بتشديد الكاف بمعنى غُشيت وغُطيت وهو مبنى للمفعول وهذا قول أبي عمرو بن العلاء وقال أبو عبيدة سكّرت بالتشديد من السكر التي تمنع الماء الجارية أما ابن خالويه فقد جعل هذا المعنى الأخير لمن قرأها بالتخفيف والتشديد في ذلك للتعدية، لأن سكر كفرح لازم في الأشهر وقد حكي للتكثير والمبالغة وأرادوا بذلك أنه فسدت أبصارنا واعترضها الخلل في إحساسها كما يعتري عقل السكران فيختل إدراكه ففي الكلام هنا استعارة وكذا على قراءة من قرأها بتخفيف الكاف مبنياً للمفعول لأن السكر المخفف أشتهر في معنى السد والقراءة بالتخفيف هي قراءة ابن كثير والحسن ومجاهد والحجة لمن خفف أنه أراد سحرت ووقفت كما تقول سكرت الماء في النهر إذا وقفه وقرأ باقي السبعة بشدها مبنياً للمفعول. وقرأ الزهري بفتح السين وكسر الكاف مخففة مبنية للفاعل شبهوا رؤية أبصارهم بروية السكران لقلة تصوره ما يراه وهذه المعاني كلها متقاربة وموافقة للنظرة العلمية فمن أراد معنى السد ومنع الإبصار وذلك لمنع وصول النور إلى عين الرائي عند العروج فوق الغلاف الجوي للكرة الأرضية كما بيناه فهو لا يرى وقت النهار سوى سواد حالك وقد انقطع نور النهار الذي في الغلاف الجوي وكأنما غشيت وسٌكرت عينه وأما من أراد معنى سحرت فهو يرى أشياء لم تكن مألوفة لديه وهو ظهور الشمس كقرص أصفر في كبد السماء والليل يغشاها من جميع جوانبها لذا تراهم (قد تحيروا وتنقلوا من فرض إلى فرض فقالوا بل نحن قوم مسحورون) أو كما في قراءة الزهري فالعين تسكر ويلحقها ما يلحق الشَارب السكران كما ذكر ذلك أبو عمرو بن العلاء. وتشاهد صورا لم تعهدها من قبل.
وصف السماء بذات الحبك: