فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 376

أما موقف التفسير العلمي من هذه الاعرابات فهو يتحمل الوجهين فعلى الوجه الأول وهو عد (أحوى) نعت للغثاء يفسره قولهم أنه حينما افتعلت النباتات على سطح الأرض وازداد سمك ما يعلوها من طين وازداد ثقل الطبقات عليها فأحالتها كتلة صلبة وازداد لونها قتاما حتى أصبحت أشبه بمادة صخرية سوداء. فأحوى هنا صفة للغثاء وأحوى هو الأخضر أو الأحمر المائل إلى السواد كما أشار إليه المعجميون وهذا يدل على دقة الوصف القرآني فهو يزداد قتامًا كلما زاد الثقل والضغط فقولهم يزداد قتاما يعني يتحول إلى اللون الأسود وليس أسود.

أما الوجه الثاني وهو جعل قوله أحوى حال من المرعى فهذا أيضًا يشير إلى ناحية أخرى وهو ظهور النبات على اليابسة الذي دام ذلك ملايين السنين وتوالت القرون حتى ازدادت كثافة هذه النباتات. ومعلوم أن زيادة هذه الكثافة تجعله يضرب لونه إلى السواد من شدة خضرته فهذا ابن منظور يقول في اللسان: وحميم أحوى يضرب إلى السواد من شدة خضرته، وهو أنعم ما يكون من النبات قال ابن الاعرابي: هو مما يبالغون به.

فجعله بعد ذلك غثاء ولعل قوله تعالى أحوى في هذا الموقع جعله يحتمل المعنيين يشير إلى هاتين الناحيتين العلميتين فيتضمن قوله أحوى الاعرابين وهذا من الإعجاز البلاغي والعلمي للقرآن الكريم إضافة إلى مراعاة الجوانب الصوتية المتمثلة هنا برعاية الفاصلة فالتقديم والتأخير في القرآن الكريم لا يفيد النواحي الصوتية دون المعنى الذي سيكون عليه فالفواصل تكون تبعا للمعنى وليس العكس.

أما الفاء في قوله تعالى (فجعله) فقد ذكر الزركشي أنه بين الإخراج والغثاء وسائط وجعل منه ابن مالك قوله تعالى (ألم تر إن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة) وتؤولت على أن (تصبح) معطوف على محذوف تقديره أنبتنا به فطال النبت فتصبح.

وعلى هذا التفسير يمكن القول إن تحول النبات إلى الفحم الجيري يحتاج إلى مراحل جيولوجية حتى يتحول إلى فحم جيري أو إلى بترول كما أشار الدكتور منصور حسب النبي إلى أن أصله من مواد عضوية وأصلها الأول نباتي.

وقد يكون المعنى للتعقيب الحقيقي وذلك لأن النبات سيتحول بعد حياته إلى غثاء أحوى فلون النبات يتغير حالما يموت وإن بقى تحت الأرض ملايين السنين فهو يزداد لونه قتامة بعد تصييره (جعله) أحوى منذ بداية مماته وإن تغير من حاله إلى حالة كما هو الحال في البترول أو ازدياد صلابته كما في الفحم الجيري وهناك معنى أخر تشير إليه الآية وهي أن حياة النبات هنا توحي من طرف خفي، بأن كل نبت إلى حصاد وأن كل حي إلى نهاية وهي اللمسة التي تتفق مع الحديث عن الحياة الدنيا والحياة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت