فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 485

الأحوال على مقتضى السياسة والكياسة، اختلف الأمراء وقامت الخصومة بينهم، وخلعوا المقتدر وأخرجوه من دار الخلافة وأهانوه، وحبسوه في بيت يونس بن مظفر، وأحضروا محمد بن المعتضد إلى دار الخلافة وبايعوه ولقبوه بالقاهر بالله، وأصبح بازوك حاجبه، واستقدموا العظماء والأعيان؛ ليبايعوه في يوم الاثنين السابع عشر من المحرم سنة مائتين وسبع وتسعين، وأثناء تلك الحال قدم جماعة من المشاة الحشم إلى باب الجوسق، وكانوا في حوار مع بازوك، فطرحوا بازوك وأبا الهيجاء عن فرسهما وقتلوهما ورفعا رأسيهما على الرماح، وقدموا دار الخلافة وقهروا القاهر وأرسلوه لنفس المجلس، وأخرجوا المقتدر من قصر يونس وجددوا له البيعة، فأسند الوزارة إلى على بن مقلة، فعادت إلى الدولة هيبتها وسعد الحظ التعيس، وظهر للعالمين التقدير الإلهى والحكم الأزلى بقوله تعالى: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ 61، فقد عزل الخليفة بلا سبب وجلس مكانه آخر، وعاد إليه الملك بلا سعى ولا اهتمام في خلال ثلاثة أيام، وازدان عرش الخلافة به ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ واللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ 62.

حكاية:

قال أحد العظماء: في اليوم الذى بايعوا فيه القاهر، مضيت إلى محمد بن جرير الطبرى، فسأل ما الخبر؟، قلت: إن الجيش بايع محمدا بن المعتضد، وقال: ومن سيكون وزيره؟، قلت: محمد بن داود الجراح، قال: ومن سيكون القاضى؟، قلت: حسن بن المثنى، فنكس رأسه مدة، ثم قال: هل انتهى هذا العمل؟، قلت: لما ذا؟، قال: يستحق هؤلاء الثلاثة هذا العمل؛ لأنهم جديرون به والزمن في تدهور، ولا يمكن إسناد الأمر إلا لذى الكفاءة ونعطى العمل لمن يستحقه، ويقصر أهل الزمان عن هذه الرتبة، ولا يسلمون بإسناد الأمر إلى الأكفاء، وقد وقع ما قال، ولم يدم هذا العمل لهم أكثر من ثلاثة أيام حتى يعلم العقلاء أن فضل الفضلاء كان سبب يأسهم، وأن الزمان متحامل دائما على الفضلاء.

حينما يعين فضل الله ... يصبح العبد الحقير ملكا

وإذا أظهر قهره لأحد ... فإن صاحب التاج يصبح تاجه أعوادا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت