ولا نعلم حضارة أخرى تشارك الحضارة الإسلامية في هذا المعنى، فهي إما حضارات مقطوعة الصلة بالله أصلًا، وإما هي ترتبط به في جزء روحي منها دون سائر المجالات الأخرى [1] .
والفرد في هذا الكون لا يمكن أن يستقل بحياته منفردًا، صحيح أن في فطرة الإنسان منزع فردي يدفعه إلى إثبات الذات وتحقيق الفردية، لكن في فطرته منزع آخر، وهو الاجتماعي الذي يدفعه إلى التآلف مع الآخرين لحفظ ذاته وحفظ نوعه، ولا يكون هذا إلا بالتآلف والتكامل البشري الذي يدفع الفرد إلى التعاون مع الآخرين، فيقوم كل فر د وكل مجموعة في المجتمع مقام الكفيل لكل الأفراد والمجموعات الأخرى على قدر الوسع، فيكمل بعضهم بعضًا، ويحسن بعضهم إلى بعض، ويقدم بعضهم خبرته ونتاج عمله إلى الآخرين ليكملوا مسيرته، فيكون المجتمع بأسره مستنفرًا طاقاته التكميلية في بناء المشروع الحضاري الإسلامي بمنهج (النفير العام) الذي يعيش أصحابه الاستشعار الدائم لخطورة المهمة المدعو إليها، واستنفار القوى كلها لتحقيق المصلحة والحشد الجماعي للإنجاز، مع إعمال القوة [2] .
والتكامل البشري ظاهر في حياة الناس بدءًا بالجنسين (الذكر والأنثى) فقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] فمسؤولية الإنسان عظيمة ممتدة في الحياة لا يستطيع الرجل أن يحققها وحده ولا المرأة وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة بين الرجل والمرأة، حين يقوم الرجل بالتكاليف المنوطة به، وتقوم المرأة بالتكاليف المنوطة بها، وتظل المرأة امرأة، ويظل الرجل رجلًا، لكلٍ منهما طبيعته ووضعه وخلقته التي لا يستغني بها عن الآخر [3] .
وقد وهب الله الرجل فضلًا يتناسب مع ما كلفه به من القوامة والحماية والعمل والبذل والسعي في طلب الرزق، ووهب المرأة طبيعة تناسبها للإنجاب والتربية والقيام على الأسرة، وهما يكملان بعضهما، وتقوم الحياة على هذا التكامل، فهما كالجسد الواحد لا يستغني بعضه عن بعض، وبينهما مساواة تكامل
(1) فقه التحضر الإسلامي، د. عبد المجيد النجار، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1 (1999م) (51 - 54) بتصرف.
(2) المرجع السابق (76 - 77) .
(3) ينظر المرأة بين نهجين الإسلام أو العلمانية، د. عدنا النحوي، دار النحوي للنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 1420هـ، وينظر: (( المرأة المسلمة بين غرائز البشر وهداية الإسلام ) )، د. جابر طعيمة، مكتبة الرشد، الرياض، ط1، (1428هـ) (176 بتصرف) .