التدافع بين الحضارات سنة ماضية، وهو في جوهره صراع معتقدات وتدافع أفكار، فأصحاب الطبقة الواحدة، والمنتمون إلى قومية واحدة، بل إلى قبيلة واحدة قد يقتل بعضهم بعضًا إذا اختلفت معتقداتهم، في حال لم يقوموا سلوك التفاهم بينهم.
ويكاد دارسو الحضارات من الغربيين أن يكونوا مجمعين على أن الحضارة وإن تكونت من عناصر كثيرة إلا أن أهم عنصر فيها هو العنصر الثقافي، وأن ِأهم عنصر في الثقافة هو الدين [1] .
وعند الحديث عن توجيه الثقافة في المجتمعات لابد من الإشارة إلى مصطلح ظهر في العالم، وكان لظهوره أثر كبير على الثقافة، ألا وهو مصطلح (العولمة) ، فمال المراد بالعولمة؟
-العولمة، أو (الشوملة) كما يطلق عليها البعض هي ترجمة للكلمة الإنجليزية
فالعولمة: اصطباغ العالم بصبغة واحدة شاملة لجميع من يعيش فيه، وتوحيد أنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية والفكرية من غير اعتبار لاختلاف الأديان والثقافات والجنسيات والأعراف أو الإثنيات -كما يقولون -وكل هذا لا يخرج عن اعتبار العولمة - في دلالتها اللغوية - جعل الشيء عالميًا، بما يعني ذلك من جعل العالم كله وكأنه في منظومة واحدة متكاملة، وهذا التوجه هو توجه الليبرالية الجديدة التي تركز على حرية مطلقة في كل شيء [3] .
وتظهر مشكلة العولمة في غموض التعريف، فطالما أن الأعراق والثقافات والأديان والأهواء متباينة فمن يحكم هذه الصبغة الواحدة؟ لا شك أن الغرب قد استفاد من الغموض ليفسر المصطلح على حسب ما تقتضيه المصالح تفسيرًا مغشوشًا في كثير من الأحيان، وذلك من أجل الترويج للأيديولوجيا الفكرية
(1) (( العولمة وصراع الحضارات ) )مقال د. جعفر شيخ إدريس، مجلة البيان، لندن، شوال 1422هـ عدد 170.
(2) (( النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين ) )هشام شرابي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1 (1999م) .
(3) ينظر: (( رسالة المسلم في حقبة العولمة ) )د. ناصر العمر دار طويق، الرياض، ط1 (1429هـ) ص (7 - 9) ، وينظر: بحث (( قوة الثقافة لا ثقافة القوة ) )د. عمر عبيد حسنة، ضمن أبحاث مركز البحوث والدراسات، الدوحة (1424هـ) .