أ- في الثقافة الإسلامية:
لقد ساد شعور عام مؤداه أن الحديث حول موضوع حوار الحضارات تنامى بصورة ملحوظة في العقد الأخير ووصل درجة غير مسبوقة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأن كثرة الحديث حول هذا الموضوع تزيده ضبابية وغموضا بدلًا من توضيحه. والسؤال هنا هو عن مصداقية وجود حوار للحضارات الآن والقول بأن الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية يرفضان الحوار وأن الفكر الليبرالي هو الذي يقبله، فمن الذي قال إن الثقافة الإسلامية ترفض الحوار؟
لا يمكن الجزم بأن كل روافد الثقافة وتياراتها ترفض الحوار، وذلك انطلاقًا من عدة أمور هامة وأساسية لفهم تأصيل معنى الحوار في المفهوم القرآني وفي السنة النبوية، فالحوار موجود بمعانيه [1] .
يذكر المستشرق الدنمركي «جوستاف فون جرونيباوم» G. Von Grunebaum أن الحضارة Culture في أساسها الفكري والروحي، أو الثقافة بمعنى الفكرة الجامعة عن العالم، يمكن أن توصف من بعض النواحي بأنها نظام محدد عن التساؤلات والأجوبة التي تتعلق بالكون وسلوك الإنسان فيه، ويقبله مجتمع بشري باعتباره نظامًا سائدًا حاكمًا حاسمًا. وهي تتضمن معيارًا للقيم يقرر الوضع النسبي لدرجة الأهمية التي تكون لموضوع السؤال والجواب. وليس يعني ذلك أن تكون هذه التساؤلات والأجوبة في حضارة ما محصورة محدودة لا تقبل زيادة على مر الزمن، وإنما يعني ذلك انحصارها وتحديدها في فترة معينة من الفترات تكون هي موضوع البحث والدراسة، ويأتي هذا الحصر والتحديد وفقًا لخبرات الجماعة في تلك الفترة.
والواقع أن ما يثير اللبس حول ما يشاع من كون الثقافة الإسلامية ترفض الحوار، هو أن هناك مقولات تعلن أن الآخر - أي الثقافة الغربية - يتجه إلينا بخطاب وسياسات صراعية، ونحن في ظل توازن قوى قد لا يكون الحوار معه مجديا قط. ولكن الأمر يقتضي أكثر من مجرد الاندفاع وراء حوارات فكرية فقط دون عمل جدي ملموس يساهم في إحداث تغيير في الواقع، وبالتالي أصبح قبول الحوار باعتباره عملية طبيعية ممتدة من التفاعل الإنساني على مستويات مختلفة من المفكرين والمثقفين والإنسان العادي أو الأكاديمي يمكن أن يحدث ويأتي بالثمار، وهو عملية طبيعية ومستمرة ولا يمكن أن ينقطع في ظل أي ظروف.
والملاحظ أن موقف الثقافة الإسلامية من حوار الحضارات يتطلب عدة ملاحظات أولية للمفاهيم وسياقاتها التاريخية؛ ففي العقد الأخير بعد انهيار المعسكر
(1) قراءة نقدية في خطابات حوار الحضارات، السيد ياسين، دار السلام للطباعة والنشر / 2002 ص 50.