أما في الميدان الاجتماعي، فقد تأثرت الحضارة الإسلامية بالحضارات الأخرى، سواء أكان سبب ذلك عامل الحوار -مثل حضارات الفرس والروم المجاورة للعرب- أم من خلال التجار العرب، الذين ارتحلوا إلى أصقاعٍ بعيدة، بهدف التجارة، فعادوا محملين بعادات تلك الحضارات المغايرة لأهل الحضارة الإسلامية وتقاليدها.
فقد نقل العرب عن الفرس الكثير من عاداتهم وتقاليدهم في المأكل والمشرب ومجالس الطرب والغناء والاحتفالات وطريقة الملابس الفارسية المُزينة، وكذلك التحلي بالحلي وتزين النساء ... وازداد تأثيرهم عندما أصبحوا داخل حوزة الدولة الإسلامية وسموا بالموالي؛ حيث كان لهم أثر كبير في تغيير حياة أهل الحجاز الاجتماعية -لاسيما في العصر الأموي- إذ امتزجت الدماء العربية بالدماء الأعجمية -عن طريق الزيجات التي تمت بين العرب وغيرهم من الأمم المفتوحة- [1] . ولقد ترتب على هذه الزيجات، نشوء جيل من التابعين، خليط من العرب والموالي، وكانت صلتهم وثيقة بالحضارة الأجنبية. لأن الموالي -في الأصل- رقيق يقومون على خدمة ساداتهم من العرب؛ لذلك نقلوا كثيرًا من ألوان الحضارة التي كان يجهلها العرب، كالأطعمة والأشربة والأبنية والفرش، وكثير من عاداتهم وتقاليدهم في الأفراح، والفكاهة [2] .
أما عن حضارة الهند، فقد نقل عنها العرب -عن طريق التجارة- بعض صفات الملبس المصنوع من المنسوجات الهندية، والمشغولات الحريرية ذات الألوان المزركشة بألوان زاهية، لم يعرفها العرب من قبل.
وقد تأثرت الحياة الاجتماعية في الحضارة الإسلامية بعد دخول عدد من الموالي في الإسلام، وضم بعض دول المشرق والمغرب إلى حظيرة الإسلام، حيث نقل هؤلاء إلى الحياة الاجتماعية بعض صور العادات والملابس والمأكل وفنون الحياة والتعامل الأسري إلى مجتمعات المسلمين، بل إن بعض مظاهر الترف والبذخ لدى الروم انتقلت إلى عواصم المسلمين (دمشق - وبغداد) ، ثم بدأت في الازدياد بشكل كبير.
كما تأثرت الحياة الاجتماعية في شقها السكاني والعمراني إذ قامت الدولة الإسلامية في بعض عصورها على أكتاف الوافدين من الفرس أو الروم أو غيرهم، حيث تركوا بصمات واضحة على الحياة الاجتماعية في الحضارة الإسلامية.
(1) عيون الأخبار، ابن قتيبة الدينوري، دار الكتاب العربي، بيروت، (1968) ص8.
(2) ابن خلدون، المقدمة، مرجع سابق، ص 154.