الفصل الأول
الأصول العقدية لحوار الحضارات
تمهيد:
الأصول: جمع أصل، وهو الشيء الثابت المحكم الراسخ، وهو الأساس الذي يرتكز إليه البناء، سواء أكان البناء حسيًا أو معنويًا [1] .
فالمراد هنا الحديث عن الأصول التي يبنى عليها الحديث في مسألة حوار الحضارات، فينطلق الحوار مع الطرف الآخر بناء على تأسيس أصول يتفق عليها من الجميع، فتكون بمثابة المرتكزات الأساسية التي يعتمد عليها الحوار، وقد تكون الأصول حقًا، وقد تكون باطلًا، كما هي الأصول التي ينطلق منها أهل الكفر والضلال، أو أصول المبتدعة ومن في حكمهم، فإنهم يؤصلون أصولًا تناقض الحق، ومع ذلك يسيرون عليها ويعتبرونها عمدتهم.
أما هنا فإن الأصول المتفق عليها بين الطرفين ستكون أساسًا لانطلاق الحوار من حيث الأصل العقدي والقيمي والعملي.
المبحث الأول: الأصل العقدي
المطلب الأول: جواز الحوار مع الكافر
مما لا يخفى أن كلمة (( حوار ) )من المفاهيم الجديدة الطارئة على الحياة السياسية والثقافية المعاصرة .. ومما يدل على جدة هذا المفهوم وحداثته أن جميع المواثيق والعهود الدولية التي صدرت في الخمسين سنة الأخيرة بعد نشأة الأمم المتحدة تخلو من الإشارة إلى كلمة (( حوار ) )بينما تعتمد مفردات إنسانية أخرى مثل: التسامح، التعاون، التعايش، إنماء العلاقات الودية بين الأمم، تحقيق التعاون الدولي .. إلخ.
ولا يوجد للحوار ذكر في القانون الدولي العام، ولا في الصكوك الدولية الأخرى؛ كميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا في إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي ..
فقد يُظَنُّ من هذا أن الحوار ليس له أي جذور في ثقافتنا، خاصة إذا أضفنا إلى ما تقدم أن الحوار بمفهومه ودلالته المعاصرة كان الغرب هو السابق إلى الدعوة إليه، واستند في أول الأمر إلى الهدف الديني؛ حيث وقع التركيز على الحوار الإسلامي
(1) ينظر: الصحاح للجوهري 4/ 1623، والقاموس المحيط (1442) .