النصراني، وكانت الكنيسة الغربية هي التي وجهت الدعوة إلى هذا الحوار، وذلك في أعقاب نشوء أزمة حضارية جديدة في العالم العربي الإسلامي نتيجة التصادم بين إرادتين: الإرادة العربية الإسلامية والإرادة الغربية، وبلوغ حدة الصراع بين الجانبين مبلغًا قدر الجانب الغربي أنه بات يهدد مصالحه؛ فكانت الدعوة إلى الحوار في المجال الديني في صيغة الحوار الإسلامي النصراني، ثم في المجال السياسي في صيغة الحوار الأوروبي العربي، في مرحلة أولى أعقبتها مرحلة ثانية نشطت فيها الدعوة إلى حوار الشمال والجنوب، وكان الغرب في كل الأحوال وفي جميع الظروف هو صاحب المبادرة إلى هذا الحوار في أشكاله المتعددة وبصيغه المتنوعة، سعيًا منه إلى أهداف رسمها وإلى غايات حددها، يكتنفها جميعًا قدر من الغموض الذي لم تنفع وسيلة في إخفائه؛ لأن المسلمين وجدوا أنفسهم بإزاء دعوة صادرة من جهة تملك شروط القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي والقدرة على صنع الحدث والتحكم في مساره [1] .
ومما لا يخفى أن الحوار مطلب إسلامي مع كونه مطلبًا إنسانيًا، وسوف نبين جواز هذا بما يوضح المراد:
يقول الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] .
لا ينهاكم الله تعالى أن تبروا الذين لم يقاتلوكم في الدين وهذا يدل على أن المعنى: لا ينهاكم الله عن بر الذين بينكم وبينهم عهد ودليل ذلك قوله:
{وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} أي: وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد [2] .
أقول والله أعلم: إن عدم النص على مقاطعة الكفار الذين لا يحاربون المسلمين فيه دعوة لفتح باب الحوار بين المسلم والكافر ليعرض المسلم عليه دعوة الحق، وعرض دعوة الحق على الكافر هو من أبر البر به وأولى أنواع البر به أن ندعوه إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة أو الجدال بالتي هي أحسن.
وهناك آيات تدل صراحة على ذلك مثل قوله تعالى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت/46] .
وقد قال الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي إننا (( نشعر إذًا بحاجة مستمرة إلى الحوار مع الآخرين، بما يخدم القضايا المشتركة بيننا في الدين
(1) د. عبد العزيز التويجري، الحوار الحضاري والثقافي: أهدافه ومجالاته، ص 5، بحث مقدم لمؤتمر مكة الخامس الذي انعقد بالعنوان نفسه عام 1425 هـ.
(2) معاني القرآن وإعرابه للزجاج، طبع بيروت (5/ 157 - 158) .