1 -العزة لغة:
هي مصدر قولهم: عز يعز عِزةً وعِزًا، وذلك مأخوذ من مادة (عزز) التي تدل على شدة وقوة ... والعزيز هو الذي يقهر ولا يقهر، ومنه قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} [فصلت: 41] ، أي يصعب مناله ووجود مثله.
والعز خلاف الذل، فيقال: تعزّز الرجل: صار عزيزًا [1] .
أما في الاصطلاح: فهي حالة مانعة للإنسان من أن يغلب [2] .
أما العزة المنسوبة لله - عز وجل - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8] ، فإن عزة الله قهره من دونه، وعزة رسوله إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين نصر الله إياهم على أعدائهم [3] .
وقيل المعنى: ولله الغلبة والقوة ولرسوله وللمؤمنين [4] .
وقد جاءت العزة في القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: العظمة، ومنه قوله تعالى: {وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} [الشعراء: 44] ، وفي قوله تعالى: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82] .
والثاني: المنعة ومنه قوله تعالى: {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء: 139] .
والثالث: الحمية، ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} [البقرة: 206] ، وقوله تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} [ص: 2] [5] .
2 -علاقة العزة بالحوار:
العزة الإسلامية، والشعور باستعلاء الإيمان مطلب عظيم حال الحوار ـ كما أسلفنا ـ والعزة مبدأ وعقيدة لا يجوز للمسلم أن يغفل عنها، أو أن يطلبها من الكفار، أو أن يلتمسها في رضاهم، فهذا خطر عظيم على عقيدة المسلم كما قال سبحانه: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء: 139] ، فهذه العبودية لله هي التي ترفع النفس المؤمنة، وتجعلها تعيش الاستعلاء والعزة والانطلاق، وأما عبودية العباد فهي ذلة وأغلال ... فتمدح العزة تارة وتذم تارة، ووجه ذلك أن العزة التي لله ولرسوله وللمؤمنين هي الدائمة الباقية، لأنها هي العزة الحقيقية، والعزة التي هي للكافرين هي التعزز وهو في الحقيقة ذل، كما قال سبحانه: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم: 81، 82] ، ومن هذا المبدأ والمعتقد يجب على المسلم المحاور أن يشعر باستعلاء الإيمان، وأنه هو الحق ويفخر به، لأن العزة دلالة الثقة بالله تعالى وهي مظهر من مظاهر رسوخ اليقين والقوة في الدين، وبها يستجلب العون من الله.
ومن صور إظهار العزة في الحوار: الصدع بالحق والجهر به وعدم المواربة أو التخفي منه مخافة أن يوصم الإنسان بما يطلقه بعض المحاربين للدين من أوصاف التخلف والرجعية والإرهاب وغيرها من التهم التي تلصق بكل من التزم بدين الله، وأظهر شعائره واعتز بها، قال سبحانه لرسوله - صلى الله عليه وسلم: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94] .
وإن من نواقض هذه العزة أن يشارك المسلم غير المسلمين في طقوسهم أو مجالسهم الباطلة بدعوى محاباتهم للحوار، وربما وقع في الكفر وهو لا يدري، وهذا كله من تركه لجانب الاعتزاز بالدين، وهذا لعمر الحق من أسباب تخلف الأمة وضعفها، حيث ضعفت جوانبها الحضارية يوم تخلت عن عزة دينها ومنهجها القويم.
ولله در القائد الملهم والخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يوم قال: (( إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا
(1) معجم مقاييس اللغة (4/ 38) مرجع سابق، ولسان العرب (5/ 374) .
(2) المفردات للراغب (335) مرجع سابق.
(3) معالم التنزيل، الحسين بن مسعود البغوي، دار الفكر، بيروت، ط1 (1405) .
(4) الطبري، مرجع سابق (22/ 661) .
(5) المفردات، مرجع سابق (336) . وينظر: (( شأن الدعاء ) )أبو سليمان الخطابي، دار الفكر، بيروت، ط1 (1404هـ) ، تحقيق: أحمد الدقاق.