يعترف المنصفون من أبناء الغرب أن الحضارة الأوروبية كانت تعيش في ظلام دامس وجهل وتخلف، بينما كانت الحضارة الإسلامية تقود العالم، وينهل الناس من علومها في كل مكان، وهذا الأمر وإن حاول إخفاءه بعض الغربيين، إلا أنه أصبح معلومًا عند المطلعين الباحثين، حيث أكدوا أن الحضارة التي يعيش آفاقها إنساننا اليوم ما هي إلا ثمرة لجهود حضارة عربية إسلامية متواصلة منذ وقت قديم وحتى نهاية العصور الوسطى في أوربا عندما بدأ الأوربيون ينهلون من معين الحضارة الإسلامية، الذي نجم عنه التطور التاريخي لأوربا وانتقالها إلى عصر النهضة، وهو ما سأشير إلى بعض نواحيه [1] :
1 -الاهتمام باللغة؛ حيث انتشرت اللغة العربية وتعلمها أبناء علية القوم في الحضارة المجاورة لأنها مسلك دخولهم الجامعات ونبوغهم وتمكنهم من العلوم، لأن العلوم تدرس بهذه اللغة، ولا يمكن للإنسان أن يصبح مطلعًا ملمًا بشؤون العلم إلا إذا أتقن اللغة العربية، ولعل هذا السر في تأثر اللغات الأوربية ببعض الكلمات العربية التي تسللت إليهم، وأصبحت من مفردات لغتهم العلمية والعادية. كما تأثر الأدب الأوربي بموضوعات الأدب العربي، ونقلت بعض الفنون الأدبية من العربية إلى الأوربية، كما هو الحال في الشعر الأندلسي الذي امتاز بنوع خاص من الشعر الرقيق بدا واضحًا في صورة الموشحات والأزجال. وهي التي انتقلت إلى الأدب الأوربي بعد ذلك.
ومما يدل على هذا الأثر الكبير - مع وجوده في الشعر وغزل الفروسية ومواضع النثر المختلفة -ما ظهر في الشعر العاطفي الأوربي خلال الشطر الأخير من العصور الوسطى، وهي العناية بالقافية، والمعروف أن الشعر الأوربي الكلاسيكي لم يهتم بالقافية، ولم يعطها عناية تذكر في مختلف أدواره، حتى تأثر بالشعر العربي بعد ذلك.
أما في مجال النثر، فليس ثمة مجال للشك على وجود الأثر الكبير للنثر العربي على النثر الغربي، فاهتمام الأوربيين بالدراسات والكتب العربية العلمية صحبهُ اهتمام آخر بالمؤلفات الأدبية عند العرب، مما جعل بعض الباحثين يلحظ أوجه شبه واضحة بين القصص العربي الخيالي وبين بعض القصص التي
(1) هذه الآثار ألفت لها كتب وموسوعات مما يدل على كثرتها، لكني هنا سأكتفي بالإشارة إلى بعضها لأن مجال البحث تغني الإشارة فيه عن الإسهاب، ينظر: (( دراسات في حضارة الإسلام ) )هاملتون جب، ترجمة د. إحسان عباس وآخرين، دار العلم للملايين، بيروت، ط1 (1964م) . وينظر: (( معالم الحضارة الإسلامية ) )مصطفى الشكعة، دار العلم للملايين، بيروت، ط3 (1978م) . وينظر: المراجع السابقة (( حضارة العرب ) )غوستان لوبون، وينظر: آفاق الحضارة، الحسيني، تاريخ الإسلام وحضارته، الفقي.