فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 579

تردد في الآونة الأخيرة مصطلح (صدام أو صراع الحضارات) ، وأخذ هذا المصطلح يطفو على سطح الوسائل الإعلامية، وتروج له الدوائر السياسية، وبخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفييتي وانهيار المعسكر الشيوعي، حيث ساد الفراغ العسكري والنظري المؤثران على الأوضاع العالمية، وظهرت محاولات لوضع أسس وقواعد جديدة بعد نهاية الحرب الباردة.

ومع بداية التسعينات الميلادية دخل العالم مرحلة جديدة، وبدأت صراعات فكرية تطفو على سطحه بشكل كبير، من ذلكم ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، وبدأت بعض القوى تبحث عن سياسات جديدة تحكم بموجبها العالم، وظهرت تبعًا لذلك حروب فكرية وإثنية دينية وحروب طائفية قومية في عدد من الدول [1] .

ومع هذه الظروف وترداد مصطلح الصراع، وكأن العالم على شفا حرب كونية ثالثة، كان لا بد من أطروحة تناهض هذه الفكرة، وهي أطروحة (حوار الحضارات) والتي كانت وليدة هذه التحولات التي عرفها العالم [2] .

ويرى أصحاب هذا المصطلح أن الحضارات لا تتصارع ولا تتصادم بذاتها، بل هي تتكامل وتتبلور بحيث تعتمد كل حضارة على ما عند الأخرى من معارف وثقافة وشؤون حياة.

إن الصدام إنما يقع حينما يحاول كل طرف أن يخرج عن المسار الصحيح، ويقهر الآخر ويفرض عليه حضارته بقوة السلاح، ويمنع عنه كل وسائل الاختيار، فعندئذ يقع الصراع بسبب أتباع الحضارات، وليس بسبب الحضارات ذاتها.

ولقد كان لأتباع هذه الحضارات، وبخاصة السياسيين منهم الأثر في تأجيج هذا الصراع، وإقناع الشعوب والحكومات بالعداء بين الأطراف، والجرأة الشديدة التي ينطق بها هؤلاء في إعلان مخططات الغرب السرية، وإشهار العداء الواضح لما يسمونه (الإسلام الأصولي) [3] .

عندها بدأت الدعوات المتعقِّلة للمنصفين في الشرق والغرب التي تنادي

(1) مستقبل العلاقات الدولية من صراع الحضارات إلى أنسنة الحضارة وثقافة السلام، محمد سعدي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 1 (2006م) ، ص (88) .

(2) أزمة الحضارات في القرن العشرين روبرت جرين، ترجمة: عمر ديوب، مجلة المجتمع، يوليو (1995) ، ص (35) . والمقصود هنا بروز المضطلح وليس الحوار إذ هو قديم.

(3) وهناك من المسلمين من يرى استحالة التزاوج أو الاستفادة بين الحضارة الغربية والإسلامية لاختلاف الأساس بينهما، وأنه لا بد من المواجهة. ينظر: (( المواجهة بين الإسلام والغرب ) )، د. محمد مورو، الدار المصرية للنشر، القاهرة، ط1 (1993م) (12 - 40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت