بضرورة قيام الحوار، وعدم الالتفات إلى دعوات الصراع والتأجيج التي يتبناها الأعداء أو المغرر بهم من الطرفين، ومن هذه الدعوات المتعقلة ما نادى به المفكر الفرنسي (روجيه جارودي) . حيث دعا إلى الجمع بين الحضارات المختلفة والمتنوعة، على أساس أرض مشتركة للتفاهم بين الشعوب، وسمى ذلك: «بحوار الحضارات» ومع شدة ما أثير حول هذه النظرية عند ظهورها إلا أنها لم تأخذ حظا كافيًا على المستوى النظري أو العملي، خاصة مع ظهور القطب الواحد في العالم وهيمنته على مجرى الأحداث وتأثيره الشديد في مستوياتها.
ثم ما لبث العالم إلا وقد كانت نظرية «نهاية التاريخ» للمفكر الأمريكي الياباني الأصل (فرانسيس فوكو ياما) [1] ، قد ظهرت وبدأ الناس يتألمون على مضمونها القائم على أنه طالما وصل العالم الغربي إلى قمم الحضارة بل أقصى مستوياتها؛ فلابد أن يكون ذلك علامة على نهاية التاريخ وأن الإنسان الأمريكي هو من وصل إلى هذه القمة، فلابد من حدوث التداعي وفق ما عرف بأن الحضارات إذا وصلت قمتها ما تلبث إلا وتعود أدراجها إلى بدايتها البسيطة.
وخلاصة نظرته أنه من الضروري وجود الدولة المتجانسة الجامعة التي تحتوي على ديمقراطية ليبرالية في المجال السياسي؛ مقترنة بوفرة كبيرة من الاقتصاديات الليبرالية المتقدمة، والثقافة الاستهلاكية بأشكال متعددة.
ثم تلا هذا الحدث ظهور نظرية مفكر أمريكي أيضًا هو (صمويل هنتنجتون) وفق ما أسماه «صدام الحضارات» ، التي قدم فيها قراءة مستقبلية من وجهة نظره لمستقبل العالم المعاصر، وأن الصدام الحضاري واقع لا محالة وليس مجرد صراع فكري أو اقتصادي، بل الصراع سيشتد حتى تزول حضارات وتبقى أخرى، تحت هيمنة المنتصر، وأن ليس أمام الحضارات فرص للبقاء سوى ثلاث حضارات هي: الإسلامية والغربية والصينية. وحذّر (هنتنجتون) العالم الغربي من احتمالات حدوث تحالف بين الحضارة الإسلامية مع نظيرتها الصينية [2] ، ولقد قام كثير من المفكرين في العالم الإسلامي وغيره بطرح بديل لنظرية صراع الحضارات-التي لم تأخذ قبولًا قويًّا بين مفكري العالم -بطرح نظرية حوار الحضارات والتي هي الوسيلة التي قد
(1) تراجع فوكو ياما عن نظرية نهاية التاريخ في أغلب تفصيلاتها وبخاصة بعد أحداث أفغانستان والعراق.
(2) صدام الحضارات، صموئيل هنتنجتون، الدار الجماهيرية، ليبيا، ط1 (1999م) . نقله إلى العربية: د. مالك أبو شهيوة، د. محمود خلف، ويرى بعض المفكرين أن هذه النظرية جزء من اللعبة السياسية الغربية.
وهو رأي الدكتور علي النملة الذي يؤكد أن النظرية أخذت قوتها بدعم استخباراتي، وليس بقوة الطرح (لقاء مسجل معه بتاريخ 13/ 2/ 1429هـ) .
وقد بدأت فكرة الصراع عند هنتنجتون لأول مرة في مقال نشره عام (1993م) في مجلة (الشؤون الخارجية) ثم في الكتاب المذكور.