بعد عرض فصول البحث، يَخلُصُ الباحث إلى جملة من التوصيات التي يعرضها هنا على النحو الآتي:
أولًا: من الناحية الشرعية:
1.مصطلحا"حوار الحضارات"و"حوار الأديان"حادثان ولم يكونا معروفين لدى العلماء القدماء، ولهذا لمّا ظهرا إلى الوجود وقع الخلاف الشرعي في حكمهما، بسبب الخلاف في تحديد تصورهما وماهيتهما، حيث كان لفظ"الحوار"يختلط ضمنا بلفظ"تقارب الأديان"، وهو ما جعل كثيرا من العلماء يقفون موقف الرافض، أو المتحفظ على الأقل، من هذه الدعوة، حيث اعتبروها دعوة مصادمة للشريعة الإسلامية لما فيها من مظاهر تقديم التنازلات لغير المسلمين، مع أن عقيدة الإسلام قطعية. وبسبب هذا التداخل والغموض الذي شاب المصطلح نُشرت دراسات رافضة لكل شكل من أشكال الحوار، باعتباره أمرا مخالفا لشريعة الإسلام، كما نُشرت بالمقابل دراسات مجيزة للحوار والتقارب بإطلاق، دون أن يُحرر كلا الفريقين المعنى الحقيقي لهذه المصطلحات الحادثة، ليتم بناء الأحكام الشرعية الصحيحة عليها. وبناء على هذا، يوصي الباحث بضرورة تبني المجامع العلمية الشرعية المعتمدة لتعريف دقيق وواضح يرفع الالتباس ويبيّن الفرق بين هذه المصطلحات الحادثة، من أجل التوصل إلى معرفة الأحكام الشرعية الصحيحة المرتبطة بها، وما ينبني عليها.
2."حوار الحضارات"يتقاطع مع دعوات التقارب بين الأديان، في الشكل، بسبب اجتماع مختلف الحضارات وأتباع الديانات على طاولة الحوار لمباحثة القضايا المشتركة، لكنّ الحوار لا يعني بحال تقديم تنازلات فيما هو من صلب عقيدة الإسلام وشريعته، بقدر ما هو محاولة مدّ الجسور بين مختلف البشر الذين يجمعهم عالم واحد، من أجل فهم دقيق للمشاكل التي تعاني منها البشرية، والعمل على إيجاد حلول متوازنة لقضايا الأمم والحضارات المشتركة.
لذا يرى الباحث ضرورة التأكيد الشرعي على ثوابت العقيدة حال الحوار، وبيان أهم أهداف الحوار ومجالاته لتكون مرجعًا يهتدى به حال الحوار مع الآخرين.
3.التواصل بين الحضارات أمر لا يُصادم الشريعة، بل يتماشى معها بشدة، لأن إحدى الغايات الإلهية في تنوع الأجناس والثقافات هي التعارف والتواصل، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] . قال ابن كثير: (( فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضًا، منبها على تساويهم في البشرية: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} ؛ أي: ليحصل التعارف بينهم، كلٌ يرجع إلى قبيلته ) ) [1] .
فيوصي الباحث علماء الشريعة والمهتمين بجوانب الحوار أن ينشروا ثقافة الحوار الصحيح المبني على أسس شرعية وقواعد منضبطة.
4.دعوات"حوار الحضارات"غالبا ما كانت تأتي بأوامر فوقية غربية، ولذلك تفقد كثيرا من مصداقيتها بسبب محاولة القوي فرض تصوراته للحياة على الضعيف، ولا تكون جلسات الحوار إلا تجمعات يفرض فيها القوي على الضعيف مزيدا من التنازلات، ولهذا يوصي الباحث بتبني الدول الإسلامية لمؤتمرات الحوار والعمل على وضع تصورات إستراتيجية من شأنها توجيه الحوار إلى معانيه الصحيحة، لا مجرد شكليات يريدها الغرب لفرض قناعاته.
5.كذلك، يرى الباحث أن في اللقاءات التي تُعقد من أجل حوار الحضارات خيرٌ كثيرٌ، حيث تتوفر إمكانية استغلال هذه المنابر لدعوة الناس إلى
(1) تفسير ابن كثير، مرجع سابق (6/ 208) .