فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 579

المطلب الثالث

أهمية العدل في حوار الحضارات

يقيم الإسلام العلاقة بين المسلمين وغيرهم ممن لم يقاتلونا في الدين، أو يخرجونا من ديارنا على البر والعدل والإحسان والتسامح، كما سبق بيان معنى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] .

قال شيخ المفسرين الطبري: (( وأما قوله: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} فإنه يقول: ولا يحملنكم عداوة قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتهم بينكم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة ... وقد قيل إن هذه الآية نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين همت اليهود بقتله ) ) [1] ، (( وفي هذا دليل على نفوذ حكم العدو على عدوه في الله تعالى، ونفوذ شهادته عليه، لأنه أمر بالعدل وإن أبغضه، ولو كان حكمه عليه وشهادته لا تجوز فيه مع البغض له لما كان لأمره بالعدل فيه وجه.

ودلت الآية أيضًا على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه، وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق، وأن المثلة بهم غير جائزة وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغمونا بذلك، فليس لنا أن نقتلهم بمُثلةٍ قصدًا لإيصال الغم والحزن إليهم )) [2] .

والناظر في حوار الحضارات يجد تباين الرؤى والأطروحات بين المسلمين وغيرهم، ولعل ذلك يرجع إلى كونها ردود أفعال على ما طرحه هنتنجتون أو فوكوياما، وبالتالي فإن مرتكزات الحوار تكون انفعالية في الرفض التام والقبول التام لإيصال رسالة معينة.

أما المرتكز الأساس الذي ينبغي أن ينطلق منه المسلمون في حوارهم الحضاري مع غيرهم مهما كانت ملته، فهو (الكلمة السواء) التي يجتمع عليها المسلمون، وينبغي أن يجتمع حولها غيرهم تحقيقًا لأبسط قواعد التكامل والتعاون، قال الله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ

(1) تفسير الطبري (8/ 223) ، مرجع سابق، بتحقيق د. التركي.

(2) تفسير القرطبي (7/ 372) ، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت