فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 579

المطلب الأول: تكامل البشرية

جعل الإسلام غاية الإنسان في الحياة هي أن يحقق الخلافة في الأرض، ومن أعظم مهمات الخلافة عبادة الله، فتلك هي المهمة التي من أجلها خلق، والتي بها كلف، وعليها يحاسب يوم الدين، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى في قصة خلق آدم - عليه السلام - مبينًا مهمة هذا المخلوق الجديد: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] ، وليس المقصود بالخليفة شخص آدم فقط، بل المقصود به نوع الإنسان عامة، وذلك من أجل تنفيذ مراد الله في إقامة الحياة على الأرض، إذ من معاني الاستخلاف التكليف بتنفيذ الأوامر، فالخليفة آدم، وخلفيّته قيامه بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض [1] .

إن غاية حياة الإنسان إذن أن يقوم بحركة تعمير في الأرض وفق أوامر الله ونواهيه، بحيث يكون في كل منشط مادي أو معنوي متجهًا إلى الله تعالى، يستجلي مراده ويتحراه، ويبتغي مرضاته، ويجد في الفوز بها.

وبهذا المعنى تكون حركة الإنسان على الأرض في كل اتجاهاتها الفردية والجماعية، والمادية والمعنوية حركة عبادة لله تعالى، ويصبح بالتالي مفهوم التحضر الذي هو الطور الراقي من حركة الإنسان مفهومًا مشربًا معنى العبادة لله؛ إذ هو وجه من وجوه الإنجاز لمهمة الخلافة، والخلافة في جوهرها قائمة على العبادة، كما يبينه قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، وليست عقيدة الخلافة قائمة على معنى التعبد المحض (بالمعنى الخاص) [2] المتمثل في الشعائر المعروفة، وإنما هي قائمة على العبادة بمفهوم عام تصير به كل حركة الإنسان المادية والمعنوية عبادة لله تعالى، فإذًا مهمة الخلافة بذلك تدفع الإنسان إلى الاستثمار المادي للكون في أعلى درجاته لتحقيق الرفاه وإحكام السيادة على الأرض، وهذا المعنى يعطي للتحضر الإسلامي بعدًا خاصًا به يميزه عن سائر أنماط التحضر الأخرى، إذ هو يدرجه في إطار العبودية لله، فهو إذن في كل عناصره ومظاهره مسيرة إنسانية نحو الله تعالى، وهو تبعًا لذلك يقاس في ارتقائه وهبوطه بمقياس الاقتراب من الله والبعد منه ...

(1) التحرير والتنوير (1/ 399) مرجع سابق.

(2) لأن أصل عمل المسلم كله عبادة لله إذا أخلص النية كما قال سبحانه: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] ، لكن المراد الشعائر المحضة والعبادات المفروضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت