فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 579

المبحث الخامس: الآثار الاقتصادية

كان انفتاح العالم الإسلامي على الثقافات والحضارات الأخرى له آثاره الاقتصادية على الحضارة الإسلامية في فترات مختلفة من عمرها، فعندما فتحت بلاد الهند وفارس، أصبحت منتجات هذه البلاد -سواء المنسوجات أو الأواني الهندية والفارسية- تغزو المنتجات العربية الإسلامية، سواء في أسواق الحجاز أو العراق أو الشام أو مصر ... فوجدت في أسواق المسلمين الشيلان الهندية، والمناديل الروسية، وكساوات الصوف الهندية .. إلخ. وفي القرنين الخامس حتى السادس عشر، واجهت الدول الإسلامية تهديدًا كبيرًا من دول غرب أوروبا، فقد تنامت تجارة المدن الأوربية وإنتاجها، ونافست المنسوجات التي يصدرها التجار من البندقية وجنوة منتجات مدن العالم الإسلامي [1] .

كما تعرف المسلمون على مقاييس وموازين وأطوال جديدة لم تكن معروفة لديهم في السابق، وتعاملوا معها بكل دقة لما سبروا غورها، والفضل في ذلك يعود إلى الرحالة والتجار المسلمين، الذين نقلوا أفكار أهل هذه الحضارات ومعارفها، ووضعوها داخل جسم الحضارة الإسلامية، وقد تحكم التجار في المدن الإسلامية في الطرق البرية الكبرى في المغرب وغرب آسيا ووسطها، وأيضًا طرق المحيط الهندي؛ حتى فتح البرتغاليون الطريق حول رأس الرجاء الصالح -في نهاية القرن الخامس عشر- وكان معظم هؤلاء التجار من المسلمين.

-وقد عرف العرب التجارة منذ زمن بعيد، لكنهم تأثروا بغيرهم في طرق التجارة وأنواعها وأساليبها، حتى امتن الله تعالى على قريش برحلتي الشتاء والصيف التجاريتين، فقال سبحانه: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 1 - 6]

وهذا الإيلاف هو تحالف تجاري أمني عقده زعماء قريش مع القبائل التي تمر القوافل التجارية في أراضيها، لضمان أمنها وعدم الاعتداء عليها، مقابل خدمات تجارية تؤديها القوافل لهذه القبائل. بالإضافة إلى محالفات تجارية، وتسهيل إقامة التجار العرب وقوافلهم، وبيع بضائعهم مع السلطات البيزنطية في الشام ومصر، ومثلها مع فارس في العراق، وكذلك في الحبشة واليمن.

-كما استفاد العرب من الطرق التجارية الممهدة، وعملوا على تطويرها، والاتفاق مع تجارات أخرى للتبادل التجاري عن طريق مثل هذه المسالك، وأيضًا

(1) تاريخ الشعوب العربية، ألبرت حوراني، ترجمة: نبيل صلاح الدين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، (1997م) 2/ 129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت