بدأت الآثار الدينية للحوار الحضاري مع غير المسلمين منذ فجر الدعوة الإسلامية، بل إن نتائج الدعوة هي ثمرة لهذا الحوار الذي جاءت النصوص الكثيرة في القرآن لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - به: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] ، وقد أخذت الآثار في الازدياد بحسب طبيعة الحوار ونوعيته، فكان الأثر الداخلي كبيرًا في مكة والمدينة المنورة، ثم تبعه أثر آخر عندما قام النبي - صلى الله عليه وسلم - بإرسال أصحابه بكتب ورسائل إلى ملوك وأمراء البلاد المجاورة يدعوهم فيها للإسلام والإيمان بالله.
وقد صنع الرسول - صلى الله عليه وسلم - لنفسه خاتمًا من الفضة، ونقش عليه عبارة (( محمد رسول الله ) )وختم به رسائله إليهم [1] .
وقد كان لهذه الرسائل أثر كبير على الملوك والأمراء ومن حولهم، ثم بدأت الدعوة تأخذ أشكالًا أخرى، مثل إرسال الرسل لتعليم الناس، كما حصل عندما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير - رضي الله عنه - إلى المدينة -وهو أول سفراء الإسلام-وأرسل معاذ بن جبل - رضي الله عنه - إلى اليمن، وأرسل دحية بن خليفة الكلبي [2] إلى هرقل في خطاب مشهور دعاه إلى الإسلام.
وبدأ الإسلام يتغلغل في نفوس أبناء الحضارة الغربية في قسمها الشرقي البيزنطي، منذ عهد رسول الله أثناء فترة حكم هرقل.
ثم جاءت الفتوحات الإسلامية لتقوم بدور رائد في نشر الإسلام، حتى توجت بفتح القسطنطينية (857هـ-1453م) ، وجعلت المساجد وأصوات الأذان محل دق النواقيس في تلك المناطق من جسم الحضارة الغربية حتى امتد إلى جنوب أوربا، أما في الجانب الآخر من أوربا (( غرب أوربا ) )فقد بدأت حركة الفتوحات الإسلامية في الأندلس حتى وصل المسلمون إلى حدود فرنسا متوقفين بعد معركة -بلاط الشهداء-عام (114هـ-732م) .. وهذا التوسع وتلك الفتوحات أوصلت أثرًا كبيرًا من آثار الحضارة الإسلامية إلى أوربا مع الطرق التي سبق ذكرها [3] .
(1) سيرة ابن هشام، مرجع سابق (188) .
(2) من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهد جميع الغزوات بعد بدر، وعاش حتى خلافة معاوية، كما شهد اليرموك، وكان من أجمل الصحابة، حيث كان جبريل يأتي في صورته أحيانًا. ينظر: أسد الغابة، مرجع سابق (2/ 130) ، والطبقات الكبرى لابن سعد (4/ 250) .
(3) المغرب والأندلس، محمد بركات البيلي، وهو موجود على الشبكة موقع أهل الحديث.