المجالات: جمع: مجال، وهو من أصل جَوَلَ، من التجوال، وهو التطواف، وتجاول القوم، أي: جال بعضهم على بعض، وكانت بينهم مجاولات، وجال: إذا ذهب وجاء، وجوَّل في البلاد، أي: طوَّف.
فهي دلالة على المكان الرحب الواسع، والطريق المتسع، والفضاء الرحب الذي يتحرك فيه القوم [1] .
فالمراد هنا أن نسعى إلى حوار حضاري مع الآخرين من خلال مجموعة من المجالات في المساحة الواسعة التي يسمح بها الدين الإسلامي، ونجد معهم فيها مشتركًا يسهل عملية الحوار.
وقد جاءت الإشارة إلى منع بعض المجالات في مسألة الحوار مع الكفار من قريش في سورة كاملة، حيث حاول كفار مكة أن يفتحوا مجالًا للحوار والتنازل مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فطلبوا منه الدخول في حوار معهم يقررون من خلاله عبادة آلهتهم عامًا وعبادة الله تعالى عامًا، فيكون هذا مجالًا من مجالات الحوار معهم، لكن القرآن الكريم أبطل هذا المجال، ورفض فتحه تمامًا، فأنزل الله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [سورة الكافرون: 1 - 6] .
وتسمى هذه السورة، وسورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) المقشقشتين، لأنهما تقشقشان من الشرك، أي: تبرئان منه، فلا مجال للتنازل، ولا طريق للقبول أبدًا [2] .
فهذه السورة العظيمة تؤسس لمعنى عظيم موجه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلمة (قل) للاهتمام بما بعد الكلام، ثم هي موجهة إلى أتباعه من باب أولى؛ إذ لا مجال ولا مفاصلة في دين الإسلام مع الشرك وأهله، إذا هم دعوا إلى الشرك، فالدين الإسلامي لا يخالطه شرك البتة.
وفي المقابل تؤكد السورة العظيمة بأنه لو حصل تنازل - على افتراض - فإن هذا التنازل سيكون من طرف واحد؛ لأن الكفار لن يصدقوا في دعواهم، ولن يعبدوا الواحد الأحد كما زعموا: {وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} .
لذا كانت المفاصلة ضرورية لإيضاح معالم الاختلاف الجوهري الكامل،
(1) لسان العرب (11/ 130 - 133) .
(2) التحرير والتنوير، مرجع سابق (15/ 579 - 581) .