المطلب الثاني
نشر العلم والثقافة
العلم جملة من المعارف المتنوعة التي يحصل عليها المتعلم، والثقافة تأخذ بهذه المعارف إلا أنها تتميز بالتنوع والشمول، فمن أخذ شيئًا من كل شيء فقد أصبح مثقفًا، وأما العلم فيتميز بالتخصص، فمن أخذ كل شيء تقريبًا من شيء واحد فقد أصبح عالمًا، ولذا يطلق على الثقافة أنها جملة العلوم والمعارف والفنون التي يطلب الحِذقُ فيها [1] .
وثمة علاقة بين الثقافة والحضارة، إذ تتناول الحضارة جملة من مظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي والاجتماعي التي تنتقل من جيل إلى آخر في جوانب الحياة المادية، أما الثقافة فهي جملة العلوم والمعارف التي يطلب الحذق فيها، فهي تهتم بالجوانب المعنوية، وهي لصيقة بكل أمة حسب حالها وثقافتها، وإن كانت بعض الأمم تعتبر ها هي الحضارة، أما الحضارة فهي أكثر التصاقًا بالجوانب المادية، هذا من باب الفرق النظري، وإلا فهما في الجانب العملي مرتبطان ارتباطًا وثيقًا؛ لأن ثقافة كل أمة هي أساس حضارتها ونهضتها وتفكير أبنائها وأسلوب حياتهم، وما يتشربونه منذ أن تتفتح عيونهم على الحياة [2] .
والثقافة بمدلولها الواسع منها الصالح ومنها الطالح، منها ما يصلح المجتمعات ومنها ما يفسده، ولهذا يسعى المخلصون إلى نشر الثقافة السليمة التي تبني العقول، وتحترم المبادئ العامة، وتفيد الأمم في نهضتها وبناء حياتها، وتبعدها عن الرزايا ومساوئ الأمور. وهنا يبدو سؤال: هل يمكن أن يكون بين الثقافات المختلفة صراع؟ ولماذا يحصل الصراع بين الثقافات إن وجد؟.
تنطلق نظرية هنتنجتون - كما أسلفنا- من فكرة الصدام بين الحضارات والتي من مكوناتها الثقافة، وأن الثقافة الغربية ستلاقي صدامًا مع ثقافات أخرى لا يمكن أن تسمح لها بالانتشار، وهذا التأطير للصراع الحضاري هو عمل خطير وخاطئ، فهو خاطئ لأنه يتجاهل الحقيقة التاريخية والواقعية التي تؤكد بوضوح شديد وبشواهد لا حصر لها أن الصراع كان ومازال قائمًا ومتجددًا بين البشر، لكن ليس سببه الاختلاف الثقافي، وإنما القوى والعوامل السياسية في كل ثقافة تستغل هذا الاختلاف وتستخف الأتباع بالخداع والتلبيس وبالترهيب
(1) المعجم الوسيط، د. إبراهيم أنيس وآخرون، دار إحياء التراث العربي، القاهرة، ط1، 1973م؛ ويعرف بعضهم الأدب بأنه: الأخذ من كل علم أو فن بطرف، ينظر: (الأدب الجاهلي) شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة، ط4، ص 10.
(2) لمحات في الثقافة الإسلامية، عمر عودة الخطيب، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط3، 1399هـ (ص 42) بتصرف، وينظر: (( نحو ثقافة إسلامية أصيلة ) )د. عمر سليمان الأشقر، دار النفائس، الأردن، ط3، 1412هـ).