فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 579

المطلب الثالث: أهمية الولاء والبراء في حوار الحضارات

إن العقيدة الإسلامية قيم ومبادئ تستقر في القلب فتثمر فيه من المفاهيم اليقينية ما يتسق مع النظرة الربانية التي فطر الله الناس عليها، كما تثمر تلك العقيدة سلوكًا حياتيًا منسجمًا مع تلك المفاهيم، ومن أبرز القيم التي لا بد أن تثمر في السلوك الحياتية قضية الولاء والبراء وهي جزء من تحقيق العبودية التي أساسها (( لا إله إلا الله ) )والتي تعني أن يعيش المسلم منقادًا لأمر الله في كل شؤون حياته، فالإسلام دين سلام، وعقيدة حب ووئام، ونظام يستهدف أن يعيش العالم كله بظله، وأن يقيم فيه منهجه، وأن يجمع الناس تحت لوائه، وليس من عائق يعيق ذلك سوى عدوان الأعداء وصدهم عن الإسلام، فكيف يتم لقاء أو محبة مع من صد عن ذكر الله وطمس معالم الحق؟

فلننظر بعين الإنصاف لجميع الأمم والملل والمذاهب كيف تؤكد على أتباعها أن يكونوا يدًا واحدة على من سواهم، وأن ينصر بعضهم بعضًا، مع أن بعض هذه الملل لا تحترم غيرها ولا ترى لغيرها قدرًا ولا منزلة، فكيف لا يعاب عليهم؟

إن الناظر للمجتمع الإسلامي منذ بدء الدعوة يجد أن أتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - انخلعوا في مكة من الولاء لأُسرهم وعشيرتهم وقبيلتهم أو لقيادتهم الجاهلية، وأعطوا ولاءهم لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وللتجمع الصغير الناشئ الذي قام بقيادته، وبعد الهجرة آخى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار، تلك المؤاخاة التي تقوم على الدين مقام رابطة الدم، مما حقق للمسلمين عبر التاريخ أعظم النتائج والآثار، سواء في مجال التناصح والتناصر والتراحم والتكافل بين المسلمين، في مجال الدعوة ورحمة الخلق ودلالتهم إلى الخير، بل لقد قامت على أساس هذا التوالي العقدي حضارة لم يعرف لها التاريخ مثالًا من قبل ولا من بعد، وما تزال آثارها وبصماتها شاهدًا حيًا على عظمتها وأصالتها؛ فهي تحقق الولاء والبراء وتدعو إلى الله ويتدافع الناس للدخول في دين الله، وتنشئ الحوار مع غير المسلمين، وتعقد معهم العهود والمواثيق. ولم تتراجع هذه الأمة عن مكانتها الرائدة إلا يوم ضعفت وتخلت عن عقيدتها وقيمها التي تجمع المسلمين على رباط واحد وهو الدين، وقد نتج للأمة مجتمع الحب والإيثار الذي يسطر صفحات من الأخلاق العظيمة التي ليس لها نظير، كما قال سبحانه: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 8 - 9] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت