فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 579

لقد كان التكافل الاجتماعي الإسلامي ثمرة طبيعية وحقيقية لعقد الأخوة بين المسلمين، فليست القضية قضية مشاعر باردة ولا عواطف جياشة فحسب، بل إنه التكافل الذي لم يعرف التاريخ مثله من قبل، مما جعل المجتمع المسلم مجتمعًا منتجًا عاملًا باذلًا متسامحًا معطيًا الحق لأهله مطالبًا بالعدل .... فهل يمكن لمجتمع هذه صفاته أن يفشل في الحوار، أو أن لا يحسن في حواره مع غيره؟ [1] .

لكن هل يمكن أن نؤسس لأهمية الولاء والبراء في حوار الحضارات استشهادًا بما سبق من النصوص؟.

الجواب:

1 -نعم: إذ لا تعارض البتة بين الولاء والبراء والحوار، فإن أعظم سورة ذكرت الولاء والبراء هي سورة الممتحنة - كما سبق - وهي سورة مدنية -، ومع ذلك يقول الله تعالى فيها: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة: 8] . فلا يمكن لأحد أن يعتقد في شخص ما أنه لن يهتدي، فالهداية بيد الله وحده - سبحانه وتعالى -.

2 -قضية الولاء والبراء عقيدة إيمانية قلبية أولًا، ثم لا بد أن تنعكس آثارها السلوكية على الشخص، وهذا السلوك لا بد فيه من التفريق بين القضايا المتعلقة بالشخص بذاته، وبين ما يتعلق بالمجتمع المسلم، فعليه لا بد أن يكون المسلم متميزًا بشخصيته الإسلامية التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته عليها، ومع ذلك كانوا يتعاملون مع الكفار في كل شؤون حياتهم، بل دخلوا معهم في حوارات طويلة -كما سبق-.

3 -وجود الولاء والبراء في حوار الحضارات يعطي المسلم قوة ودافعًا لينطلق في حواره منطلق العزة والتمكن، فالحوار هو لغة الأقوياء وعلامة قوة وثقة بالنفس بما لدى المسلم من ثوابت ومسلمات شرعية لا يمكن أن يتنازل عنها.

4 -هذه العقيدة هي التي تدفع المسلم إلى التعامل مع غيره تعاملًا حضاريًا راقيًا عنوانه البر والإحسان والتكريم الذي يحبب الناس بالإسلام، ويعطيهم المثل على رحمته وتسامحه حتى مع أعدائه.

وأعظم مثال على ذلك ما ضربه القرآن الكريم لنا من المثل الأعلى في الولاء والبراء، وأمرنا أن نتخذ منه أسوة حسنة في هذا الشأن، ذلكم هو الخليل إبراهيم - عليه السلام - فقال سبحانه: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ

(1) ينظر لما سبق: (( في ظلال القرآن ) )، سيد قطب، دار العلم للطباعة، جدة، الطبعة 12، (1407هـ) (3/ 1558، 1/ 293) ، وينظر: حوار الحضارات، موسى الإبراهيم، مرجع سابق (124 وما بعدها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت