وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن الحوار لا يكون إلا بين أهل الحضارات والثقافات المختلفة، ولا يكون بهذا الاسم بين أهل الحضارة والثقافة الواحدة، ولذلك لا يدخل في مضمون هذا المصطلح الحوار بين أتباع المذاهب الإسلامية، ولعل الصواب خلافه، فإذا كان الحوار بين غير المسلمين مطلبا لاستقرار الحياة الإنسانية؛ فكيف لا يكون كذلك بين المسلمين؟
-الحضارة لغة حسب ما أورد صاحب القاموس: والحَضر - محركة- والحضرة والحضارة والحِضَارة - ويُفتح - خلاف البادية، والحضارة الإقامة في الحضر [1] . وقال الجوهري [2] : والحضَر خلاف البدو .. والحاضر خلاف البادي، والحاضرة خلاف البادية، وهي المدن، والقرى والريف والبادية خلاف ذلك. والحضارة الإقامة في الحضَر [3] .
ومن الاستعمالات الأولى للحضارة في معنى مقابل للبداوة قول القطّامي التغلبي [4] :
فمن تكُنِ الحضارةُ أعجبته ... فأيّ رجال باديةٍ ترانا!
وقد أبرزتْ ميسون زوج معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما بعض المظاهر البسيطة في مقارنتها الطريفة بين التحضّر والتبدّي في قولها:
لَبيت تخفق الأرواح فيه ... أحَبُّ إليَّ من قصر منيف
وكلب ينبح الطراق عني ... أحَبُّ إليَّ من قط ألوف
ولُبسُ عَباءة وتقرَّ عيني ... أحَبّ إليَّ من لبس الشُّفُوف
وأكلُ كُسَيْرةٍ في قعر بيتي ... أحَبُّ إليَّ من أكل الرغيِف
(1) القاموس المحيط (حضر) 3/ 10، مرجع سابق.
(2) الجوهري هو إمام اللغة إسماعيل أبو نصر الجوهري، لغوي ونحوي مشهور، تتلمذ في العراق، وطاف الأرض تعلمًا وتعليمًا، من أشهر كتبه اللغوية (الصحاح) ، توفي في أواخر القرن الرابع الهجري.
(3) الصحاح، مرجع سابق، مادة (حضر) (2/ 632) .
(4) الكامل للمبرد، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط. دار الفكر العربي (القاهرة) ، (1417هـ/1997 م) (1/ 55) .
والقطامي هو عمير بن شيم التغلبي، من شعراء قبيلة تغلب في العصر الأموي، توفي سنة (101هـ) . ينظر: القطامي التغلبي حياته وشعره، عبد التواب الهواري، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، كلية الآداب، (1974م) ، مختصرة على موقع الكلية.