الانطلاق للآخر عند المسلمين [1] ، ولكن قد تشتمل الدعوة والبلاغ حوارًا مع الآخر بل هو الغالب، حيث يتوقع من المدعو إلى استفهام أو سؤال أو رد أو اعتراض؛ فكل هذا غالبًا يدخل تحت المحاورة، وكل دعوة تشمل غالبًا حوارًا وليس كل حوار هو دعوة، ولو نظرنا إليها باعتبار أن الداعي المسلم على اقتناع تام بأن ما يدعو إليه هو الحق، وأن الآخر وإن كان على باطل لا يمنع من المحاورة معه.
والمقصود من الحوار هنا بصفة أدق «حوار الحضارات» ، ونعني به الوصول إلى فهم متبادل بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب، اليهود والنصارى، أو حتى أصحاب الملل الأخرى، وفق ما يراه أولو الأمر بما يتفق مع الشرع ويحقق مصالح المسلمين، وهذا يؤدي إلى تفاهم مشترك بين أتباعهم. وليست كذلك «الدعوة» ولا «التبشير» : فهما قد يكونان من شخص واحد عالم يشرح لآخر يستمع لا يعرف شيئا ذا بال عما يسمع ولا عما يقابله أو يناقضه من فكر، فيصادف كلام محدثه عقلا خاليا يملؤه ذاك الحديث فيميل إليه ويقتنع به ويكون حاله كحال شاعرنا القائل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا [2]
كما عُرّف الحوار في الاصطلاح بعدة تعريفات تجتمع في أن الحوار:
-المحادثة بين شخصين أو أكثر مباشرة بشكل عام؛ أو بين فريقين بغية الوصول إلى حقيقة مسألة مختلف بشأنها أو لتحقيق فهم مشترك حول مسألة ما.
-المحادثة بين شخصين أو أكثر لاكتشاف المشترك بينهما في إطار التنوع الديني أو المذهبي، أو الثقافي أو السياسي أو المصلحي، على أساس من العلمية والموضوعية والاحترام المتبادل [3] .
إذًا يمكن اعتبار الحوار تواصلا بين جماعات وأفراد من خلال عمليتين هما: الإرسال (التحدث) ، والاستقبال (الاستماع) .
(1) لفظة: الآخر موضع إشكال عند الباحثين ما بين رافض لها ومؤيد، فقد أكد بعضهم أنه لا يمكن قبول لفظ الآخر إذا كانت تعني فئات دينية معينة، مثل: اليهود، والنصارى دون قيد في السياق، أو بقصد تخفيف الفارق بين المسلمين والكفار، وهذا من أخطر آثار هذا المصطلح؛ حيث إن من أطلقه، أو أشاع استعماله عن قصد إنما أراد إلغاء أو إضعاف عقيدة الولاء والبراء (هذا رأي د. عبد الرحمن المحمود، ود. ناصر العمر في لقاء مسجل معهما ستأتي الإشارة إليه) .
بينما يتجاوز آخرون هذا اللفظ، ويعتبرونه مصطلحًا عاديًا إذا لم يكن القصد منه إلغاء المصطلح الشرعي. (د. سلمان العودة، ومحمد الأحمري، في نفس سياق الأسئلة المسجلة معهما) .
(2) د / ناصر الدين الأسد، المرجع السابق، ص 22، والبيت ينسب لمجنون ليلى قيس بن الملوح، ديوانه، تحقيق عبد الستار فراج، مكتبة القاهرة (1979م) ، وينسب ليزيد بن الطثرية، ديوانه، جمع وتحقيق ناصر بن سعد الرشيد، دار مكة، ط الأولى (1400هـ) .
(3) د/ حامد بن أحمد الرفاعي، المرجع السابق، ص ص 43، 44؛ الإسلاميون والحوار مع العلمانية والدولة والغرب، هاشم العوضي، ط1، بدون تاريخ، ص 14.