فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 579

والترغيب، وبحجب الحقائق أو إساءة تفسيرها، وتدفع الجموع المخدوعة الواهمة إلى الموت وهم يجهلون أنهم يعملون لتحقيق المآرب الانتهازية لقادة الكره والعدوان، وليس دفاعًا عن الحق والعدل.

إن الدارس للتاريخ والمتأمل للأوضاع البشرية والمهتم بالتعرف على مختلف الثقافات سوف يتوصل إلى أن الثقافات لا تتصادم بحافز من داخلها، لأن القيم الإنسانية العظيمة هي قيم مشتركة بين كل الثقافات، فالبشر يؤمنون جميعًا بأنهم من آدم، وهم يتماثلون في تكوينهم الفطري، ولا يوجد في الدنيا ثقافة إلا وهي تدعو إلى العدل وتنهى عن الظلم، وتهتم بمعايير الأخلاق وتنهى عن مساويها [1] .

لقد حث الإسلام أتباعه على العلم تلقيًا ونشرًا، لما فيه من الإسهام العظيم لنهضة حياتهم ونفع غيرهم، وهي مهمة لا يمكن أن تصطدم بها ثقافة أو ترفضها فكرة بشرية، بل يكفي العالم كله أن يعلم أن أول آيات نزلت في القرآن العظيم هي قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) } [العلق: 1 - 5] .

فافتتحت الآيات بالأمر بالقراءة الناشئة عن العلم، ثم خصت ذكر الإنسان من الخلق لشرفه مذكرًا سبحانه في الآية أنه هو الذي علمه ما لم يعلم، فاشتملت هذه الكلمات على أنه معطي الموجودات كلها بجميع أقسامها، فإن الوجود له مراتب أربع:

إحداها: مرتبتها الخارجية المدلول عليها بقوله: (خلق) .

الثانية: الذهنية المدلول عليها بقوله: (علم الإنسان ما لم يعلم) .

الثالثة والرابعة: اللفظية والخطيَّةُ، فالخطيّة مصرح بها في قوله (علم بالقلم) ، واللفظية من لوازم التعليم بالقلم، فإن الكتابة فرع النطق، والنطق فرع التصور [2] .

فالإسلام يأمر بالعلم ويحث عليه ويدعو إلى نشره، بل يجعل العلم والسعي إليه جهادًا يتحقق معه للإنسان مرتبة عظيمة، ولذا يروى في الأثر مرفوعًا: (من

(1) خطاب إلى الغرب رؤية من السعودية، إعداد مجموعة من العلماء والمثقفين السعوديين، دار غيناء للنشر، الرياض، الطبعة الأولى، 1424هـ (31 - 36) بتصرف، والمراد هنا ما كان من الأديان الصحيحة غير المحرفة والثقافات التي تتماشى مع الفطرة، أما المحرف منها والمستعلي على الآخرين فهو يدفع إلى الصراع.

وينظر في هذا: (( مبادئ التعايش السلمي في الإسلام ) )د. عبد العظيم المطعني، دار الفاروق، القاهرة، ط1، 2006م.

(2) مفتاح دار السعادة، لابن القيم، مرجع سابق (1/ 82) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت