فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 579

المجتمعات.

إن الإسلام ينظر إلى الكون والحياة والبشر نظرة شمولية عظيمة، يحدد لكل إنسان دوره ويدعو إلى التكامل في الحياة، ويؤكد عالمية هذا الدين الذي يصلح لكل زمان ومكان، بل ويُصلِح كل زمان ومكان، ولا يحتقر أحدًا من البشر لمجرد عمله أو لونه أو جنسه، بل يؤكد على أخذ الفائدة من كل أحد، (والحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها) [1] . وهو بهذا ينفي أن أصحابه هم الكمّل وأن غيرهم ناقص، وأن حاجتهم لغيرهم منقطعة، بل إنه يجعل من البشر مكملين بعضهم لبعض، متعاونين في حياتهم، وهذا هو الفرق بين الإسلام في نظرته لتكامل البشرية، ونظرة الأديان المحرفة لغيرهم من البشر.

يقول منوني الكاتب المتخصص بنفسية الاستعمار: (( إن الأوربي يحب عالمًا دون بشر ) ) [2] ، بل إن مصطلح التفرقة العنصرية إنما ظهر من أقوام ترى التمييز بين الأجناس في القوانين والمعاملات على أساس الدم والخصائص البيولوجية وما يتبع ذلك من الحياة الفكرية ومظاهر السلوك والعمل والعطاء، فمن كان ناقصًا لا يمكن أن يكون مكملًا لغيره من البشر في العمل وعمارة الأرض.

قال الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] ، (واستمر هذا الاستعلاء في حياتهم حتى قسموا البشر إلى طبقة عليا ودنيا، وإلى خدم عاملين وحكماء مخدومين، بل إن الكنيسة نفسها شاركت في إقرار هذا الظلم، فجعلت للزنوج كنيسة خاصة بهم، ولا يصح لهم أن يعبدوا ربهم في كنائس البيض) [3] .

إن من الأصول المهمة لقيام حوار الحضارات أن يوقن المتحاورون أن البشرية يكمل بعضها بعضًا، ويستفيد بعضها من بعض، فلا غنى لأحد عن أحد، ومن اعتقد استعلاءه على الآخرين، وأنه الأحق بالحياة وبما أودعه الله في الكون، وأن بقية الشعوب والأمم ما هم إلا عبيد وخدم عنده، فإن هذا الاعتقاد سيقطع كل تواصل، ويمنع كل صورة من صور الحوار المثمر.

(1) سبق تخريجه.

(2) قراءة في فكر مالك بن بني، محمد العبدة، مجلة البيان، العدد 17، شعبان (1409هـ) ص 42.

(3) أعمدة الاستعمار الأمريكي ومصرع الديمقراطية في العالم الجديد، فيكتور بيرلر، دار العلم للملايين، بيروت، 1980، ترجمة: أحمد فؤاد (82) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت