على نفسها دون أن تستفيد من غيرها؛ فالتكامل البشري صفة ملازمة للحياة ... فالعامل بيده والعامل بعقله والعامل بلسانه، والباذل بماله كل يكمل صاحبه، بل الأمة الزارعة تحتاج إلى الأمة الصانعة، والأخرى لا غنى لها عن مالكة الأرض أو الأموال، وهكذا هي الحياة سلسة في التكامل والعطاء المستمر إلى يوم القيامة.
ومن أعظم صور التكامل، التكامل العلمي، وهو بذل العلم ونشره لمن يملكه؛ لأن من عنده فضل علم بذله لمن ليس له علم؛ ليتحقق تكامل البشرية ويستفيد بعضهم من بعض قال - صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) [1] .
وقد سطرت الحضارة الإسلامية أروع الأمثلة في مجال تكامل البشرية، ونفع الآخرين بما لا يتسع المجال لذكره، بل لقد جعل الإسلام بذل المعروف والنفع للغير من أعظم الصدقة [2] ، وفي ذلكم يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (على كل مسلم صدقة، فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف، وليمسك عن الشر، فإنها له صدقة) [3] .
هموم رجال في أمور كثيرة ... وهمي من الدنيا صديق مساعدُ
نكون كروحين بين جسمين قسمت ... فجسماهما جسمان والروح واحد [4]
ويقول - صلى الله عليه وسلم - موصيًا أصحابه على بذل التكامل: (إنه سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فرحبوا بهم، وحيوهم وعلموهم) [5] .
لقد أصبحت سمة العصر الحاضر هي سمة التكامل البشري التي تؤكد على أن العالم لا يمكن أن يستغني بعضه عن بعض، وإن الفرد يرتقي به عطاؤه إلى الجماعة، ليلتقي الجميع في ثقافة التلاقي المشترك التي يكمل بعضها بعضًا.
ولقد باتت اليوم مؤسسات البحث والتوثيق ومراكز الدراسات ودور النشر ومنتديات الثقافة وروابط الكتاب والعمل المؤسسي والصلة الجماعية هي سمة
(1) رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه ح (5027) .
(2) ينظر: موسوعة أصول الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي، خديجة النبراوي، دار السلام، القاهرة، الطبعة الأولى (1424هـ) (5/ 2707 - 2900) ففيها نصوص عظيمة وكثيرة في هذا المجال، وينظر: (( موسوعة نضرة النعيم ) )إعداد مجموعة من المختصين، دار الوسيلة، جدة، الطبعة الأولى، (1418هـ) (3/ 1008 - 1049) .
(3) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب على كل مسلم صدقة فمن لم يجد فليعمل بالمعروف، ح (1445) ، واللفظ له، ورواه مسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، ح (2333) .
(4) أدب الدنيا والدين، الماوردي، دار الريان للتراث، بيروت، ط1 (141) (1/ 276) .
(5) أخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب الوصاة بطلبة العلم (247) ، وقال في الزوائد: إسناده ضعيف، وضعفه الألباني (( ضعيف الجامع الصغير وزياداته ) )ح (2070) .