فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 579

الذي يستحيل معه اللقاء على شيء في منتصف الطريق، إذ لا يمكن أن يتنازل المسلم عن جزء من دينه في مقابل كسب الحوار مع الآخرين؛ بل هي مفاصلة واضحة في قضية العبودية لله تعالى [1] .

وبناء عليه فإن مجالات حوار الحضارات مع الآخرين يجب أن تتم في ظل الثبات على الثوابت والأصول الشرعية وعدم التنازل عنها بحال، فلا حرج من الحوار في مجالات يسمح فيها بالمشتركات، ويظهر فيها التوافق والقبول، وهذه هي (( مجالات حوار الحضارات ) )مع الآخرين، أما أن يصل الأمر إلى النكوص والتنازل والانسلاخ عن العقيدة، فهنا تأتي {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} [2] .

ولا بد أيضًا أن يؤمن الغربي بالتعددية في المرجعيات الحضارية، لأن أحادية الحضارة الغربية معناها إلغاء الحضارات الأخرى، ومنها المرجعية الإسلامية ... وإن فرض مرجعية واحدة على الشعوب كمن يفرض عليها أن تعيش على طعام واحد، ويجبرها أن تنظر بعين واحدة، ويجب على الغرب أن يعترف بقانون تداول الحضارات، واستفادة بعضها من بعض، وأن يعترف بأن حضارة الغرب اليوم هي ناتج من حضارات سبقته، من أهمها الإسلام [3] . بينما لا بد له أن يعلم أن الإسلام مع كونه دينًا عالميًا، إلا أنه يعترف بالتعددية، ويتحاور مع الحضارات الأخرى، ويفتح المجال أمامها ولها في الاستفادة والتبادل الحضاري، لأن الإسلام يقرر أن شرط ازدهار أي حضارة يرتبط أساسًا بمدى قدرتها على التفاعل مع معطيات الحضارات الأخرى ومكوناتها، وبالتالي الاعتراف بهذه الحضارات ومحاورتها، وقبول تعدديتها الثقافية، واعتبار الحضارة الإنسانية نتاجًا لتلاقح هذه الحضارات وتفاعلها.

وفي هذا السياق لا بد من إلماحة سريعة لأهم المحددات التي تبين العلاقة بين الحضارة المعاصرة والدين، وموقفها منه، وهي [4] :

أ-العلاقة بين الواقع والدين: قام الفكر العلماني الغربي أساسًا على تنحية الدين عن الحياة، فهي حضارة دنيوية صرفة، وأصحابها على رؤيتين في النظر إلى الدين، رؤية علمانية مضادة للدين لا تقبل حتى صور الممارسة الشخصية له، وأخرى تسمح بالتدين الشخصي، ولا تمنع رسومه وطقوسه، وهي التي

(1) في ظلال القرآن، مرجع سابق (6/ 3992) .

(2) جميع المجالات التي سيرد ذكرها سبق تأصيلها شرعًا، وذكر رأي علماء الغرب فيها مما يعني الاكتفاء بالإشارة إليها مع صور الحوار فيها فحسب.

(3) معركة الإسلام والرأسمالية، سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط 8 (1415هـ) (13 وما بعدها بتصرف) .

(4) حوار الحضارات، تقرير كتبه د. إبراهيم الناصر، ضمن التقرير الإستراتيجي، مرجع سابق (51 - 53) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت