تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: 64] . فكلمة (سواء) من الاستواء وهو العدل: أي تعالوا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض، لا ميل فيه لأحد على صاحبه، فإذا آمنا بها نحن وأنتم كنا على السواء والاستقامة، وهو العدل الذي لا مناص عنه [1] .
بل لقد قرأ بعضهم: (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ عَدْلٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) [2] .
وهذا (السواء) في لغة عصرنا: ما يشمل جميع الناس، ولا يمكن أن يحرم منه أحد مهما كان المبرر أو السبب من المبادئ العامة، ولعل من أهم مقتضيات هذا التعارف والتعاون والتكامل حسن الخطاب، وحسن توجيهه {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل/125] ، فيندرج في هذا المفهوم من مفاهيم الحوار، إقامة سلم عالمي يكفل إشاعة مفهوم مركزي في الإسلام وهو (العدل) في جميع حالات الحياة ومجالاتها، وفي مختلف صنوف العلاقات الإنسانية مهما ضاقت أو اتسعت دوائرها إذ يمثل العدل أهم أسس بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك بإقامة العدل بين الناس في شتى المجالات، وحماية حقوق الناس، وتحرير الإنسان من عبودية العباد ورفع الظلم عنهم [3] .
ولقد اتضح للعالم كله أن الإسلام بتعاليمه وتطبيقاته في العصور الإسلامية المتقدمة هو النموذج الأمثل للعدل الذي تنتظره الدنيا، ولا يمكن أن يكون الحوار الحضاري مثمرًا دون وجود العدل، وهو ما حققه الإسلام ... أما تطبيقات بعض أبنائه المتأخرين أو تصرفاتهم فهي لا تؤخذ على أنها تمثل الإسلام، ولا يقول منصف بذلك، وإلا لأخذت الأمم والشعوب والثقافات بتصرفات بعض أبنائها الشاذة.
إن المشارك في حوار الحضارات يبحث عن العدل بكل صوره، ويجد فيه مدخلًا عظيمًا لمكاسب حوارية له، ولمن أرسله لهذا الحوار ليكون نائبًا عنه، فبالعدل يحصل الطرفان على المكاسب ويصلان إلى كلمة سواء، ولا يمكن أن يقوم حوار مع ظلم، ولا أن يضمن الناس معاهدات أو محاكمات دون عدل ولو
(1) التفسير الكبير، الفخر الرازي، دار إحياء التراث، بيروت، ط 1 (1415هـ) (3/ 252) .
(2) تفسير الطبري (5/ 478) ، قال المحقق: ونسب الفراء القراءة إلى ابن مسعود. ينظر: معاني القرآن للفراء
(3) ما غاية المسلمين في حوارهم مع الآخر وحضارته؟ مقال: هشام منور، مجلة أدباء الشام على شبكة المعلومات