تكون الوحيدة دون خيار للتواصل العالمي ولاستمرار النشاط الفكري والاقتصادي، كما سيأتي.
كانت وظيفة (هنتنجتون) في هذه الأثناء هي التنظير للحرب الباردة فأصبح عليه أن يبحث عن موقع ودور تنظيري جديد يستجيب للمتغيرات التي يعيشها العالم وربما كان تقريبًا هو إيجاد محددات جديدة وسهلة التصنيف للسلوك الدولي المعاصر الذي تخيم عليه ظلال الفوضى [1] .
في الوقت نفسه حدث تحول في طبيعة الصراع ومصادره في العلاقات الدولية حيث أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى إحداث تحولات جذرية على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية عالميًا، فلقد أفرز انتهاء الحرب الباردة ظاهرة تعدد وتداخل مصادر وطبيعة الصراعات الدولية وبالتالي تغير أنماط وجذور الصراع في المستقبل [2] .
كما أن الانقسام الاقتصادي بين عالم الشمال المتقدم وعالم الجنوب الفقير والمتخلف اقتصاديًا وماديًّا له دور عام في جعل المجال الاقتصادي هو التحدي الحقيقي خلال السنوات القادمة حيث المنافسات والحروب الاقتصادية العالمية. وإذا كان النزاع خلال الحرب الباردة له مصدر استراتيجي هو المواجهة بين الشرق والغرب فإن نهاية الصراع الأيديولوجي أحيى مرة أخرى الهويات القومية والإثنية ولهذا يرى الكثير من الباحثين أن تكون الصراعات القومية هي بؤرة التوتر الأساسية في المسرح السياسي العالمي [3] .
وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم ثورة علمية متسارعة وتنافسية في وقت واحد فإننا نلاحظ عودة قوية لتأثير الأديان؛ وهذه الصحوة الدينية نابعة من صميم الواقع التاريخي الإنساني وسيكون لعامل الدين دور مؤثر في الصراع العالمي؛ لأن التأثير المتزايد للأديان العالمية من الإسلام وحتى الأرثوذكسية الروسية سيكون لاعبًا أساسيًا في النظام العالمي للقرن الحادي والعشرين [4] ، وإن كان التأثير الفعلي للإسلام ما زال والحمد لله تأثيرًا فعّالًا في الحياة، وإن اختفى أثره في أحيان كثيرة عن سلوك المسلمين، وهو ما يجعله يبدو ضعيف التأثير.
إلا أن ظهور فكرة صدام الحضارات أثارت ردود فعل حادة منها أطروحات تقوم على أن الحضارات لا يشترط أن تتصادم لتبقى ولكن من الممكن أن تتواصل
(1) ألبرت ويكس: هل تثبت الحضارات؟ مجلة الحرس الوطني، عددا 164 و165 أبريل 1996، ص 93.
(2) محمد السعدي: مرجع سابق ص 89.
(3) نفسه ص 90.
(4) النظام العالمي في القرن 21، ألفين توفلر وهايدي توفلر: ترجمة: عصام الشيخ، مجلة الثقافة العالمية، السنة 12 العدد 70 مايو 1995 ص 21