وتتحاور استنادا على مبدأ التعاون الثقافي والعلمي، وهذا ليس بجديد، فقد عاشت الثقافات على مر العصور في ظل حوار دائم بين البشر.
من هنا أصبح حوار الحضارات بمثابة القضية الكبرى التي تشغل العالم بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار القطبية الثنائية وعلى العكس من مقولة (هنتنجتون) بشأن صدام الحضارات أكد أنصار الحوار على أن استمرار الحوار ضرورة حتمية لبقاء تعاون البشرية بدلًا من صدام يدمرها ويعود بها للخلف.
وقد قامت الأمم المتحدة بدور كبير في طرح ورعاية حوار الحضارات وهذا الدور يعود إلى عام 1949 عندما بدأ اليونسكو بدعم حوار الحضارات وأصدرت لجنة الخبراء في الدراسات المقارنة للحضارات تقريرا يحدد أهداف الحوار [1] .
توالى نشاط اليونسكو في مجال حوار الحضارات مثل المشروع الرئيسي لليونسكو الذي استمر من 1957م حتى 1966م، وقد صدر عن اليونسكو عام 1966م إعلان المبادئ للتعاون الثقافي الدولي، وينص على أن كل حضارة لها اعتبارها وقيمتها التي يجب المحافظة عليها واحترامها، وأن كل الحضارات بكل ما فيها من تنوع واختلافات عميقة وتأثير متبادل بعضها على بعض، جزء من الإرث العام للبشرية [2] ، خاصة في ظل ظهور ما يسمى بالعولمة - نسبة إلى العالم - ظهورًا شديدًا الآن، حيث تتم الدعوة إلى كون العالم قرية واحدة تتعانق مصالحها وتتفق أهدافها المعنوية والمادية كما يرى أصحاب هذا المذهب، وهو مذهب يدعو إلى البحث عن الحقيقة الواحدة التي تكمن وراء المظاهر المتعددة في الخلافات المذهبية السياسية والخلقية المتباينة من أجل جمع الناس على مذهب واحد تزول معه سائر الخلافات الدينية والعنصرية لإحلال السلام في العالم محل الخلاف - على حد زعمهم [3] .
وسيأتي تفصيل ذلك في مقاصد الحوار - ولكن لابد من التنبيه على فارق هام بين هذا المذهب ودعوته الممتدة الآن وبين عالمية الإسلام، والتي كنت وما زالت وستظل - إن شاء الله - عالميتها متميزة ومتفرقة لكونها مع دعوتها إلى السلام العالمي والتعارف الإنساني محافظة على قواعد ذلك من شرع الله تعالى القائم على إفراد الله الواحد بالعبادة والتشريع والانقياد، وفق هدي رسوله الخاتم - صلى الله عليه وسلم - المبعوث رحمة للعالمين، فهناك فرق كبير بين عالمية الإسلام والعولمة المتوحشة التي تجعل
(1) الأمم المتحدة وعام حوار الحضارات من خبرات حوار الحضارات، زينب عبد العظيم وآخرون، صادر عن برنامج حوار الحضارات - كلية الاقتصاد - جامعة القاهرة، ص38.
(2) المرجع السابق، ص 38.
وينظر: حول حوار الحضارات والثقافات من أين يبدأ؟ وكيف؟ د. سعيد عبد الله سلمان، مجلة الجامعة الإسلامية، لندن، العدد الرابع، (1415هـ) (ص 69 - 80) .
(3) سيأتي الحديث عن العولمة وأثرها في حوار الحضارات.