قطاعًا كبيرًا من البشر عبيدًا لأصحاب رأس المال والهيمنة العسكرية والاقتصادية التي تميز بين البشر وفق الأهواء والأغراض والمصالح، بخلاف الإسلام الذي تسع رحمه سائر الخلق إنسهم وجنهم، مؤمنهم وكافرهم، وذلك بالعدل والإحسان والقسط، وقد قال الله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2] .
فعولمة الغرب اليوم تمسح كل الحضارات، وتلغي كافة المفاهيم والقيم والأديان، وتحطم جميع طرق الاقتصاد ووسائل الثقافة، وتبقي على مفهوم واحد ألا وهو حضارة وقيم وثقافة واقتصاد الغرب لا غير، لتكون العولمة (( حركة تستهدف تحطيم الحدود الجغرافية والجمركية، وتسهل نقل الرأسمالية عبر العالم كله كسوق كونية ) ) [1] .
ومما لا يخفى أن الصراع بين الناس من طبائع النفس البشرية منذ خلق الله تعالى آدم فكان الصراع الأول بين الحق والباطل وبدء التدافع البشري على الأرض بين ابني آدم وهذا يدل على مقدار الخيال الذي يعتقده دعاة العولمة من تحويل العالم إلى قرية واحدة لا يختلف فيها أحد، وإن كنا لا نستبعد حدوث السلم- على الأقل - بين الدول المتجاورة أو الثقافات المتقاربة المداخل والمخارج كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ولتقريب ذلك علينا أن نتأمل ما حدث بين ابني آدم من صراع، وبيان أنه لا يجوز وزن شيء إلا بميزان الشرع الحنيف كما سبق بيانه.
نظرية التدافع
الدفع: الإزالة بقوة. وتدافع القوم: أي دفع بعضهم بعضًا [2] .
والدفع إذا عُدّي بـ (إلى) اقتضى معنى الإنالة كقوله تعالى: {فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] ، وإذا عدي بـ (عن) اقتضى معنى الحماية، نحو: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج: 38] [3] ، ويميل بعض الكتاب المسلمين إلى تسمية العلاقة بين الحضارات بـ (التدافع) بدلًا من (الصراع) مستندين إلى الآية الآتية من سورة البقرة،
(1) آفاق الحضارة العربية الإسلامية، د. فاضل محمد الحسيني، دار الشروق، الأردن، ط1 (2006م) ، ص 214.
(2) لسان العرب، مرجع سابق (8/ 88) .
(3) المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، دار المعرفة، بيروت، ط1 (1418هـ) ، تحقيق: محمد عيتاني، ص 177.