فغاية التدافع هي عمارة الأرض والإبقاء على الأنفع والأحسن والأكثر فائدة للبشرية، وليس الغرض الصراع والتصادم كما يقول (هنتنجتون) :
يقول الله تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251] ، فقد ذيلت هذه الآية الجليلة كل الوقائع العجيبة، التي أشارت إليها الآيات التي حكت ما حدث بين الخلائق جميعًا، كالذي حدث بين الأنبياء وأقوامهم، وبين أهل الحق وأهل الباطل .. إلخ.
ولكون مضمون هذه الآية عبرة من عبر الأكوان، وحكمة من حكم التاريخ، ونظم العمران الذي لم يهتد أحد قبل نزول الآية إليه؛ فإنه يحسن الإشارة إلى معناها.
فمعنى الآية: أنه لولا وقوع دفع بعض الناس بعضًا آخر بتكوين الله وإبداعه قوة الدفع وبواعثه في الدافع، لفسد مَن على الأرض، واختل نظام الحياة فوقها: وذلك أن الله تعالى لما خلق الموجودات التي على الأرض من أجناس وأنواع وأصناف، خلقها قابلة للاضمحلال، وأودع في أفرادها سننًا دلت على أن مراد الله بقاؤها إلى أمد أراده ولذلك نجد قانون الخَلَفية منبثًا في جميع أنواع الموجودات فما من نوع إلا وفي أفراده قوة إيجاد أمثالها لتكون تلك الأمثال أخلافًا عن الأفراد عند اضمحلالها، وهذه القوة هي المعبر عنها بالتناسل في الحيوان، والبذر في النبات، والنضح في المعادن، والتولد في العناصر الكيماوية. ووجود هذه القوة في جميع الموجودات أول دليل على أن موجِدها قد أراد بناء الأنواع، كما أراد اضمحلال الأفراد عند آجال معينة، لاختلال أو انعدام صلاحيتها، ونعلم من هذا أن الله خالق هذه الأكوان لا يحب فسادها. ثم إن الله تعالى كما أودع في الأفراد قوة بها بقاء الأنواع، أودع في الأفراد أيضًا قوى بها بقاء تلك الأفراد بقدر الطاقة، وهي قوى تطلُّب الملائم ودفع المنافي، أو تطلُّب البقاء وكراهية الهلاك، ولذلك أودع في جميع الكائنات إدراكات تنساق بها، بدون تأمل أو بتأمل، إلى ما فيه صلاحها وبقاؤها، كانسياق الوليد لالتهام الثدي، وأطفال الحيوان إلى الأثداء والمراعي، ويسمى ذلك بالقوة الشاهية. وأودع أيضًا في جميع الكائنات إدراكات تندفع بها إلى الذب عن أنفسها، ودفع العوادي عنها، عن غير بصيرة، كتعريض اليد بين الهاجم وبين الوجه، وتعريض البقرة رأسها بمجرد الشعور بما يهجم عليها من غير تأمل في تفوق قوة الهاجم على قوة المدافع ثم تتوسع هاته الإدراكات فتتفرع إلى كل ما فيه دفع المنافر من ابتداء بإهلاك من يُتوقع منه الضر، ومن طلب الكِن، واتخاذ السلاح، ومقاومة العدو عند توقع الهلاك، ولو بآخر ما في القوة. وهو القوة الغاضبة ولهذا تزيد قوة المدافعة اشتدادًا عند زيادة توقع الأخطار حتى في الحيوان. وما جعله الله في كل أنواع الموجودات من أسباب الأذى لمزيد السوء به أدل دليل على أن الله خلقها لإرادة بقائها، وقد عَوَّضَ الإنسان عما وهبه إلى الحيوان العقلَ والفكرة في التحيل على النجاة ممن يريد به ضررًا، وعلى إيقاع الضُر بمن يريده به قبل أن يقصده به، وهو المعبر عنه بالاستعداد. ثم إنه تعالى جعل لكل نوع من الأنواع، أو فرد من الأفراد خصائص فيها منافع لغيره ولنفسه