فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 579

الشرقي عام 1991م تسارع الغرب الذي أخذته العزة بالنصر والثقة بالرأسمالية إلى إبداع مفاهيم جديدة شغل بها العالم، وانشغل بها المثقفون العرب والإسلاميون وغيرهم من الشعوب في أفريقيا وأمريكا اللاتينية فانشغل العالم بشرحها وكتابة الحواشي والتعليقات عليها، ولما كان معدل إفراز المفاهيم والتصورات والمصطلحات في المركز أسرع من شرحها والتعليق عليها وتفسيرها في المحيط، لم تعد هناك فرصة لشعوب العالم لإبداع مفاهيمها وتصوراتها الخاصة التي تعبر عن رؤيتها للعالم، وتظل تلهث وراء فهم ما يُعطى كطعم لها، وهي مستبشرة بأنها تدخل في عصر الحداثة وتفكر فيما يفكر فيه الغرب فيقل الإحساس بالدونية أمامه [1] .

ومن هذه المصطلحات المتداولة بكثرة عند المفكرين والكتاب في وسائل الإعلام «صراع الحضارات» و «حوار الثقافات» و «نهاية التاريخ» و «العولمة» و «الحكم» و «المجتمع المدني» و «حقوق المرأة» و «الخصخصة» .... الخ، وكلها مفاهيم موجهة، غير بريئة، في ظاهرها الفكر وفي باطنها السياسة ولعل المراد بمثل هذه المصطلحات زعزعة ثقة الشعوب وإشغالها بثقافات دخيلة.

وربما يكون المقصود هو إشغال الشعوب بشيء عزيز عليها كانت مستمسكة به وترى فيه سبب بقائها في التاريخ واستقلالها وهويتها، وهو ما يعنيه مصطلح (( الحضارة ) )، وبيان أن هذا الشيء العزيز في خطر يتهدده صراع تتمسك به الشعوب وتشغل نفسها بالدفاع عن هويتها حتى تشيح بوجهها عن الصراع الحقيقي وهو الصراع الاقتصادي في عصر العولمة واقتصاديات السوق والشركات المتعددة الجنسيات، وكأن العالم انقسم قسمين: المركز الاقتصادي والأطراف الحضارة.

ويبدو أن القصد الحقيقي هو إعلان ما كان الغرب يخفيه دائما من العنصرية والمركزية الحضارية كدافع دفين. فلم يكن دافع الاستعمار اقتصاديا سياسيا فقط بل قام أيضا على النظريات العنصرية في القرن الماضي، والتي كانت تنبني على التفرقة بين الأبيض والأسود، وبين السامي والآري، وبين المتحضر والمتوحش، وبين الحضر والبدو [2] .

وقد توقع هنتنجتون في كتاباته حول «صدام الحضارات» بمستقبل يتحد فيه الإسلام بالبوذية في الشرق في مواجهة النصرانية واليهودية في الغرب، وقد يكون الهدف هو إبعاد المسلمين عن الأخذ بأسباب القوة في الغرب وزيادة ثقافتهم ثقافة، وإيمانهم وروحانيتهم روحانية، بعيدا عن حضارة العقل والعلم والعالم.

وهكذا فإن الخوف من الإسلام واعتباره هو (العدو) للحضارة الغربية وللحضارات الأخرى أصبح قائمًا على أساس نظرية متكاملة، لها جذور تاريخية قديمة، ودعم سياسي معاصر، وتخطيط استخباراتي متواصل، وهي نظرية أمريكية

(1) تقييم تجارب حوار الحضارات، حسن حنفي، دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة، ط1 (2002) ص 56.

(2) حسن حنفي، المرجع السابق 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت