سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة، آية 3] ، تلك العقيدة التي يميزها عن غيرها من عقائد الأمم أنها عقيدة ربانية المصدر، عالمية الرسالة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} [الأنبياء، آية 107] . وقال سبحانه: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِين} [التكوير، آية 27] ، ورغم ربانية مصدر العقيدة الإسلامية وعالميتها، إلا أن ذلك لا يعني أنها الوحيدة في الأرض -من حيث الوجود- بل لكل أمة حضارتها، ولكل أمة ثقافتها، قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة، آية 48] .
والمتأمل في تاريخ الحضارات الغربية يجد أنها قد مرت بثلاث مراحل، القديمة والوسطى والحديثة، وقسم بعض علماء التاريخ حضارات الغرب إلى اليونانية الرومانية، واليهودية النصرانية، ثم أوروبا الحديثة، مسترجعة تاريخها الوثني الأسطوري القديم مستفيدة من المصدر اليوناني الروماني، والمصدر اليهودي النصراني، في تشكيل لحضارتها الحديثة، والتي تبنت في العقود الأخيرة نموذج صراع الحضارات الذي أدى إلى بروز عقدة عظمة لدى الغرب؛ والعمل على زرع عقدة النقص لدى الحضارات غير الأوروبية بحجة أنها ناقلة ومقلدة وتابعة ومتعلمة، وأنها تعيش على هامش المركز وليس في محيطه.
ولما انبثق نور الإسلام من جزيرة العرب وأسس المسلمون حضارة جديدة هي الحضارة الإسلامية التي كان لها تصورها الخاص لنموذج الحوار بين الإسلام والنصرانية وبين الإسلام واليهودية، في مقابل نموذج الحضارة الغربية التي جنحت إلى منطق صراع الحضارات، ظهرت عندئذ دعوات مختلفة ومناهج متباينة، ودراسات متعددة رسم بعضها منهجًا للصراع والخلاف ودعت أخرى إلى التسامح والتعايش والتقارب، وتبنت أخرى دعوة حوار الحضارات وتلاقيها، إلا أن تحديد وقت معين لمثل هذه الدعوات قد يصعب خصوصًا إذا علمنا أن أصل الحوار ومنهجه قديم قدم الدهر، في حين أن الدعوة إلى حوار الحضارات بأسلوبها المعاصر ظهرت مؤخرًا وازدادت حدتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة، والتي وقعت يوم الثلاثاء 22/ 6/ 1422هـ.
وهناك تباينت الرؤى حولها بين مؤيد لكل صورها حتى ولو كان وراء ذلك دعوة إلى تقارب الأديان، وبين رافض لها خائف من كل صورها وأشكالها .. وبين هؤلاء وأولئك تتردد وجهات نظر وتبرز دعوات.
وفي بحثي هذا حاولت التركيز على حوار الحضارات بما فيه من جوانب إيجابية وسلبية، دارسًا له في ضوء العقيدة الإسلامية، مبينًا أصوله وضوابطه ومجالاته وآثاره على الحضارتين الإسلامية والغربية، لغاية سامية هي التعريف