""""""صفحة رقم 67""""""
لما بينا أنه تبرع ؛ ثم الرهن لا يخلو ، إما إن كان بدين وهو المثلى ، أو بعين وهو غير
المثلى ؛ فإن كان بدين جاز على كل حال بأي وجه ثبت ، سواء كان من الأثمان أو من
غيرها ؛ وإن كان بعين فالأعيان على وجهين: مضمونة ، وغير مضمونة . فالمضمونة على
وجهين: مضمونة بنفسها ، ومضمونة بغيرها ؛ فالمضمون بنفسه: ما يجب عند هلاكه مثله
أو قيمته كالمغصوب والمهر وبدل الخلع والصلح عن دم العمد ، فيجوز الرهن بها لأنها
مضمونة ضمانا صحيحا يمكن استيفاء الدين منه ؛ والمضمون بغيرها كالمبيع في يد البائع
فلا يجوز الرهن بها ، لأنه لا يجب بهلاكه حتى يستوفي من الرهن ، لأنه إذا هلك المبيع
يبطل البيع ويسقط الثمن فصار كما ليس بمضمون . والأعيان الغير المضمونة: وهي
الأمانات كالوديعة والعارية ومال المضاربة والشركة و المستأجر ونحوها لا يجوز الرهن
بها ، لأن الرهن مقتضاه الضمان على ما نبينه إن شاء الله تعالى ، وما ليس بمضمون لا
يوجد فيه معنى الرهن ، وقوله في المختصر يمكن استيفاؤها منه احترازا عن هذا ، ولا
يجوز بالشفعة ولا بالدرك ولا بدين سيجب ، لأنه وثيقة بمعدوم ، ولا بالقصاص في
النفس وما دونها لعدم التمكن من الاستيفاء ، ويجوز بجناية الخطأ ويكون رهنا بالأرش
لأنه يمكن استيفاؤه ، ولا يجوز بالكفالة بالنفس لتعذر الاستيفاء ، ولا بأجرة النائحة
والمغنية لأنه غير مضمون ، ويجوز شرط الخيار للراهن لأنه لا يملك الفسخ فيفيد
الشرط ، ولا يجوز للمرتهن لأنه يملك الفسخ بغير شرط فلا يفيد ، ولا يجوز رهن ما لا
يجوز بيعه كالحر والمدبر وأم الولد والمكتب والميتة والدم لأنه يمكن الاستيفاء منها فلا
يحصل التوثق ، وكذا جذع في سقف وذراع من ثوب وأشباهه لما مر .
ولا يجوز للمسلم رهن الخمر والخنزير ، ويجوز للذمي ، لأن الرهن والارتهان للوفاء
والاستيفاء ، ولا يجوز للمسلم ذلك من الخمر ويجوز للذمي ، ثم الرهن على ثلاثة أضرب:
جائز ، وباطل وقد ذكرناهما ، وفاسد وهو رهن المبيع ورهن المشاع والمشغول بحق الغير ،
أو اشترى عبدا أو خلا ورهن بالثمن رهنا ثم ظهر العبد حرا والخل خمرا ، أو قتل عبدا
فأعطاه بقيمته رهنا ثم ظهر حرا . قال القدوري في شرحه: يهلك بغير شيء ، لأن المبيع غير
مضمون بنفسه ، والقبض لم يتم في المشاع والمشغول ، ولم يصح في الحر والخمر كما لو
رهنه ابتداء . ونص محمد في المبسوط والجامع أن المقبوض بحكم رهن فاسد مضمون
بالأقل من قيمته ومن الدين ، لأن الرهن انعقد لمقابلة المال بالمال حقيقة في البعض ، وفي
البعض في ظنهما لكنه فسد لنقصان فيه ، لأنه لا يمكن استيفاؤه من الرهن فيكون مضمونا
بالأقل منهما ، كالمقبوض في البيع الكاسد مضمون بقيمته فكذا هذا ، إلا أنه يضمن الأقل
منهما هنا ؛ أما إذا كانت القيمة أقل فظاهر ؛ وأما إذا كان الدين أقل فلأنه إنما قبضه ليكون
مضمونا بالدين ، والمختار قول محمد .